البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٢٤٨ - مجلس الكوفيين و البصريين عند المأمون
منهم. فإنهم أول من جعل حب الأرز في الموازين. و أربع حبات أرز، حبة شعير. و لا نعرف ذاك في شيء من البلدان إلّا بلدهم.
و من فضل الكوفة على البصرة: ان ملوك العرب و العجم طافوا الآفاق و اختاروا البلاد فوقع اختيارهم على الكوفة و ما يقرب منها. من ذلك الأنبار نزلها دارا بن دارا و جذيمة الأبرش [١٤ ب]. و منها بابل نزلها بخت نصر و من كان قبله و بعده من الملوك. و منها مدائن كسرى نزلها أردشير بن بابك و من بعده من ملوك فارس إلى يزدجرد. و منها الخورنق نزله بهرام جور و النعمان بن الشقيقة و غيره من ملوك العرب. و منها الحيرة نزلها عمرو بن عدي و ولده بعده إلى عمرو و قابوس ابني المنذر، و النعمان بن المنذر، و إياس بن قبيصة الطائي حتى جاء اللّه بالإسلام.
و إنما كانت البصرة منازل ينزلها الجند مثل منجشان صاحب المنجشانية و من أشبهه من السفلة و الرعاع.
و هم الذين شخصوا إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. فقال الأحنف يا أمير المؤمنين. إن إخواننا من أهل مصر نزلوا منازل فرعون، و إن إخواننا من أهل الشام نزلوا في منازل ملوك الروم، و إن إخواننا من أهل الكوفة نزلوا بين حيرة النعمان و مدائن كسرى في مثل حولاء الناقة أو حدقة البعير الغاسقة في جنان خصبة و أنهار عذبة تأتيهم ما يأتيهم من رزقهم غريضا غضا. و إنّا نزلنا في سبخة هشاشة نشاشة زعفة لا يجفّ ثراها و لا ينبت مرعاها عسفتها الفلاة من خلفها و خنقها البحر الأجاج من أمامها، يأتيها ما أتاها في مثل حلقوم النعامة. فلا يزيد من الفخر عليهم بطيب المنازل إلّا بما أقرّ به صاحبهم. و لم يزل أهل البصرة يشربون الماء المالح حتى و ليها عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز، فحفر لهم نهرا من البطيحة فهم يسمونه نهر ابن عمر، و فيه يقول بشار في شعر طويل:
لا نشرب الماء إلّا قال قائلنا* * * نعم الأمير، فداه السمع و البصر
روى من العذب ها مات مصرّدة* * * قد كان أزرى بهنّ الملح و الكدر