البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٢٤ - القول في الجبل
للبلى الذي لا بد منه. مع الإقرار باليأس من البقاء الذي لا سبيل إليه أن يبقى من جمال صورتنا و مثال بدننا إلّا رسما يتجدد به من أمرنا من الباقين بعدنا مع ما يدرس من آثارنا و ذكرنا.
فمن خطر بباله هذا فلينظر إلى ما أمرنا به من هذا التمثال. و ليستيقن بدروس رسمه و ذهاب بهجته و إلّا فالهلاك غالب على أمره. و قد أحدث لنا وقوفنا على هذا التمثال ذكرا لما يصير إليه حالنا. و توهّمنا وقوف الواقفين عليه بعدنا حتى كأننا بعضهم و مشاهدون لهم أو من حضر ذلك منهم من ذكر الحالتين اللتين اختلفتا بصاحبه من الحياة و صحة البدن و نفاذ الأمر و ما حار إلى ذلك محارّه.
و من عجائب هذا التمثال أنه لم ير مثل صورته صورة و لم يقف عليه أحد منذ صوّر، من أهل الفكر اللطيف و النظر الدقيق إلّا استراب بصورته و عجب منها و أطال الفكر فيها. حتى لقد سمعت كثيرا من هذا الصنف يحلفون أو يقاربون اليمين انها ليست من صنعة العباد و لا تصوير المخلوقين.
و سمعت رجلا من كبار المعتزلة و مناظريهم [١] يحلف بالأيمان المغلظة أنه ليس من صنعة العباد، و ان للّه عزّ و جلّ فيه خبيئة سوف يظهرها يوما ما.
و سمعت بعض الفقهاء العلماء يقول [٩٧ أ]: لو أن رجلا خرج من فرغانة القصوى و آخر من السوس الأبعد، قاصدين إلى شبديز حتى ينظرا إليه ما عنفا على ذلك.
و أنت إذا فكرت في أمر صورة شبديز هذه وجدتها كما ذكر هذا المعتزلي.
فإنه إن كان من صنعة الآدميين، فقد أعطي ما لم يعط أحد من العالمين. فأي شيء أعجب و أظرف أو أشد امتناعا من أنه سخرت له الحجارة كما يريد، ففي الموضع الذي يحتاج إليه أن يكون أسود، أسود. و في الموضع الذي يحتاج إليه أن يكون أحمر، أحمر. و كذلك البياض و سائر الألوان. فتبارك اللّه أحسن الخالقين.
و قال لي أبو علي محمد بن هارون بن زياد- و كان حكيما فيلسوفا- و قد
[١] في الأصل: و نظاربهم.