البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٦٠٤ - القول في خراسان
و هم قتلوا كسرى بن قباذ بن هرمزد.
فهذه حال خراسان قبل الإسلام. ثم أتى اللّه بالإسلام فكانوا فيه أحسن الأمم رغبة و أشدهم إليه مسارعة منّا من اللّه عليهم و تفضلا و إحسانا منه عليهم. فأسلموا طوعا و دخلوا فيه أفواجا و صالحوا عن بلادهم صلحا. فخفّ خراجهم و قلّت نوائبهم، و لم يجر عليهم سباء و لم يسقط فيما بينهم و بين المسلمين دم.
و لما رأى اللّه عزّ و جلّ سيرة بني أمية بعد عمر بن عبد العزيز و ظلمهم العباد و إخرابهم البلاد و استئثارهم بالفيء، و عكوفهم على المعازف و الملاهي و اللذات، و إعراضهم عما أوجب اللّه عليهم فيما قلّدهم، ابتعث جلودا من أهل خراسان جمعهم من أقطارها كما يجمع قزع الخريف و ألبسهم الهيبة و نزع من قلوبهم الرحمة، فساروا نحوهم كقطع الليل المظلم قد اتخذوا لبس السواد و أطالوا الشعور و شدّوا المآزر دون النساء حتى انتزعوا ملك بني أمية من أكبر ملوكهم سنا، و أشدّهم حنكة، و أحزمهم رأيا، و أكثرهم عدة و عديدا، و أعقلهم كاتبا و وزيرا، و سلموه إلى بني العباس.
و قد كان محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس قال لدعاته حين أراد توجيههم إلى الأمصار [١]: أمّا الكوفة و سوادها، هناك شيعة علي و ولده. و أما البصرة فعثمانية تدين بالكفّ. [تقول كن عبد اللّه المقتول و لا تكن عبد اللّه القاتل] [٢]. و أما الجزيرة فحرورية مارقة و أعراب كأعلاج و مسلمون في أخلاق النصارى. و أما أهل الشام فليس يعرفون إلّا آل أبي سفيان و طاعة بني مروان و عداوة راسخة و جهل متراكم.
و أمّا مكة و المدينة فقد غلب عليهما أبو بكر و عمر رضي اللّه عنهما. و لكن عليكم بأهل خراسان، فإن هناك العدد الكثير و الجلد الظاهر و هناك [١٥٥ ب] صدور سليمة و قلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء و لم تتوزعها النحل و لم يقدم عليها فساد
[١] النص في عيون الأخبار ١: ٢٠٤- ٢٠٥ و هو لدى الجاحظ في رسالة مناقب الترك (ص ٤٨٠ من مجموعة رسائل الجاحظ: الرسائل السياسية).
[٢] في المختصر فقط.