البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٨٠ - القول في السواد و صفته و أعلام حدوده و كوره و طساسيجه و سبب مساحة الأرض و تقدير خراجه و طوله و عرضه
و في المدينة السابعة شجرة من نحاس ضخمة كثيرة الغصون لا تظل ساقها.
فإذا جلس تحتها واحد أظلّته إلى ألف نفس، فإنها تظلهم كلهم. فإذا زادوا على ألف صاروا كلهم في الشمس.
و قال يزيد بن عمر الفارسي: كانت ملوك الفرس تعد السواد اثني عشر استانا و تحسبه ستين طسوجا و تفسير الاستان إجارة و ترجمة الطسوج: ناحية. و كان الملك من ملوكهم إذا عني بحيّز من الأرض عبره و سماه باسمه.
و كانوا ينزلون [٧٨ ب] السواد لما جمع اللّه في أرضه من مرافق الخيرات و ما يوجد فيها من غضارة العيش و خصب المحل و طيب المستقر، و لما ينصب إليها من مواد الأطراف و منافعها و سعة ميرها من أطعمتها و أدواتها و أمتعتها و عطرها و لطيف صناعاتها. و كانوا يشبّهون السواد بالقلب و سائر الدنيا بالبدن، و لذلك سموه: دل إيرانشهر، أي قلب إيرانشهر. و إيرانشهر: الإقليم المتوسط لجميع الأقاليم. و إنما سموه بذلك لأن الآراء تتشعب عن أهله بصحة الفكر و الروية كما تتشعب من القلب بدقائق العلوم و لطائف الآداب و الأحكام الكتابية.
فأمّا ما حولها من البلاد فأهلها يستعملون أطرافهم بالمباشرة و العلاج. و خصب بلاد إيرانشهر بسهولة. لا عوائق فيها و لا شواهق تشينها و لا مفاوز موحشة و لا براري منقطعة عن تواصل العمارة و الأنهار المطردة في رساتيقها و بين قراها. مع قلة جبالها و آكامها و تكاثف عمارتها و كثرة أصناف غلاتها و ثمارها. و التفاف أشجارها و عذوبة مائها و صفو هوائها و طيب تربتها مع اعتدال طينتها و توسط مزاجها و كثرة أجناس الصيد في ظلال شجرها و بين عشبها، و خلال زهرتها. من طائر [بجناح] و ماش على ظلف و سابح في البحر. امنه مما ينال البلدان من غارات الأعداء و بوائق المخالفين. مع ما خصت به من الرافدين دجلة و الفرات. إذ هما مادان لا ينقطعان شتاء و لا صيفا على بعد منابعهما و نزوح مبتدأهما. [فإنه] [١] لا ينتفع منهما بكثير عمارة حتى يدخلاها فيسيح ماؤهما في جنباتها و ينبطح بين
[١] تكملة من ياقوت (السواد).