البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ١٧١ - افتخار الشاميّين على البصريّين و فضل الحبلة على النّخلة
ثم أشار إلى ابن أبي ناشر فقال:
جندلتان اصطكّتا اصطكاكا* * * إنّ الذّليل يكره العراكا
و قد يضرط العير و المكواة في النار، ثم قال أبو حمران: لنا الزيت و الزيتون، و لنا عروسا الدنيا غزّة و عسقلان، و مدينة دمشق و هي إرم ذات العماد، و لنا الأرض المقدّسة، و في بلادنا الجبل الذي كلّم اللّه عزّ و جلّ عليه موسى (عليه السلام)، و جبل لبنان من جبالنا، و بيت المقدس من بلادنا، و لنا المدن العجيبة و الكور الشريفة مثل: طرسوس و المصّيصة، و ملطية، و الرملة، و فلسطين، و أنطاكية، و حلب، و صور، و صيدا، و طبريّة، و الكرمة أفضل الأشجار و العنب سيّد الثمار، و هي ناعمة الورق، ناضرة الخضرة، غريبة تقطيع الورقة، بديعة الزوايا، مليحة الحروف، حسنة المقادير، كأنما قوّرت من سرقة حرير، و استخرجت من ثوب نسيج، كثيفة الظلّ خفيفة الفيء، لدنة الأغصان، ليّنة الأفنان، خضرة الأطراف، كريمة الأخلاق، سلسلة القياد، رفيعة جوهر الأعواد، لذيذة الجنى، قريبة المجتنى، صغيرة العجمة، رقيقة الجلدة، عذبة المذاق، سهلة المزدرد، كثيرة الماء، فاضلة المخبر على المنظر، شريفة العنصر و الجوهر، و كلام كثير لم يستدرك، ثم لا يألف الغربان الناعقات الكرم كإلفها النخل، و لا يعشّش في جوانبها العصافير المؤذية بصيلانة أصواتها عند غناء النّغران و ورق العيدان كتعشيشها في الأدقال و أصول الكرانيف و الأكراب، و لا يتولّد منها من ضخام الدود و سمجة الحشرات و الهوامّ ما يتولّد من الليف، و لا يستكنّ في أثنائه من الذرّ و الفراش، و لا يتحصّن فيها من الحيّات و العقارب و عظام العناكب و ذوات السموم القاتلة ما يتحصّن في رؤوس النخل، فهذا على هذا و النخل تخلف و تحيل، و لم نر كرمه حالت و لا أخلفت، و اسم الكرم مشتقّ من الكرم و الكرامة و الإكرام و التكرّم، و قد قدّم اللّه جلّ و عزّ ذكره في كتابه على سائر الأشياء فقال جلّ و عزّ: وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ فقدّم ذكر الكرم و جعل النخل نداء للزرع، و للّه أن يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد، و قال جلّ و عزّ:
وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ