البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٦٧ - القول في همذان
الكثير. و الماء إذا كان له عمق اشتد سواده في العين. و قال العكلي في صفة ماء:
عاوده من ذكر سلمى عوّده* * * و الليل داج مطلخم اسوده
فبتّ ليلي ساهرا ما أرقده* * * مرتفعا أو قائما ما أقعده
حتى إذا الليل تولّى كبده* * * و انكبّ للغور انكبابا فرقده
و حثّه حاد كمشي يطرده* * * أغرّ أجلى مغرب مجرّده
أصبح بالقلب جوىّ ما يبرده* * * ماء غمام في الرصاف مقلده
زلّ به عن رأس نيق صدده* * * عن ظهر صفوان مزل مجسده
[حتى إذا السيل تناهى مدده* * * و شكّد الماء الذي يشكّده]
بين نعامى و دبور تلهده* * * كلّ نسيم من صبا تستورده
كأنّما يشهده أو يفقده* * * فهو شفاء الصاد مما يعمده
و قال جرير:
لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة* * * تجد الحوائم لا يجدن مقيلا
بالعذب في وسط الفلاة مقيله* * * قصر الأباطح لا يزال ظليلا
قالوا: و في الماء، أن أطيب شراب عمل و ركّب مثل الجلاب و السكنجبين و البنفسج و غير ذلك مما يشرب من الانبجات و الأفشرجات [١] فإن تمام لذته و غاية طعمه أن يجرع شاربه بعد شربه إياه جرعا من الماء يغسل بها فمه و يطيب بها نفسه. فهو في هذا الموضع كالخلّة و الحمض جميعا، و هو تسويغ الطعام في المريء. و هو الموصل الغذاء في الأعضاء. فالماء يشرب صرفا و ممزوجا و الأشربة لا تشرب صرفا و لا ينتفع بها إلّا بممازجته. و هو بعد طهور الأبدان و غسول الأدران. و قالوا: هو كالماء الذي يطهر كل شيء و لا ينجسه شيء. و لذلك
قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): الماء لا ينجسه [١١٤ ب] شيء إلّا ما ظهر في طعمه
[١] الانبجات: المربّيات التي تصنع بالعسل بحيث يمكن القول ان كلمة المربيات ترادف الانبجات (فرهنگ معين) و يبدو أن الأفشرجات من هذا الصنف أيضا.