البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ١٨٦ - القول في الروم
من المؤمنين اثنان و سبعون رجلا على أن يأمروه بالمعروف و ينهوه عن المنكر فانتدب منهم رجلان لذلك فكلّماه فأمر بهما ليصلبا، فاجتمع السبعون فقال بعضهم لبعض: نقضتم العهد و أسلمتم إخوانكم للقتل، و أمركم الآن أشدّ من أمركم الأوّل، فائتمروا ليأخذوا السلاح و يفتكوا لمورق. حتى يقتلوه، فلمّا أبرز المورق بالرجلين شدّوا عليه فقتلوه، و نادوا: أيّها النّاس لا بأس فإنما غضبنا للّه، فاجتمع إليهم الناس و قالوا لهم: قد قلّدناكم أمورنا، فولّوا من أنفسكم من شئتم، فملّكوا عليه رجلا يقال له فوق، فهو الذي ضرب الدنانير الفوقيّة، ثم ملك فوق و كان سيّء السيرة، فأرادت الروم أن تخلعه، فعمد إلى خزائنهم و أموالهم فرمى بها في البحر، و شحن منها السفن، و أسرعها تحملها الريح حتى جاءت بها إلى الشام، و كان شهر براز غلاما لكسرى على الشام، فخرج إلى الساحل فرأى السفن، فأمر بها فأخذت و استخرج ما فيها من الأموال، فسمّى ذلك المال كنج باذاورد، فبطلت أموال الروم منذ حينئذ، فليس في الأرض روميّ له عطاء أكثر من خمسة دنانير و عشرة دنانير هذا للشريف منهم فهم إلى يومنا هذا على هذا.
و قال ابن دأب [١] عن موسى بن عقبة قال: كان عبادة بن الصامت يحدّث أن بعض الخلفاء بعثه و هشام بن العاص و نعيم بن عبد اللّه إلى ملك الروم يدعوه إلى الإسلام، قال: فخرجنا حتى جئنا جبلة ابن الأيهم الغسّانيّ و هو بالغوطة، فأدخلنا إليه فإذا هو على فرش مع السقف، فأجلسنا بعيدا فأرسل إلينا رسولا نكلّمه، فقلنا لا و اللّه لا كلّمناه برسول، فأدنينا منه فكلّمه هشام و دعاه إلى اللّه، فإذا عليه ثياب سود فقال له هشام: ما هذه المسوح التي لبستها؟ قال: لبستها و عليّ نذر ألّا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، قلنا: و اللّه لنخرجنّك من فرشك و من دار مملكتك و نملك الملك الأعظم إن شاء اللّه،
أخبرنا بذلك نبيّنا (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: إذا أنتم السّمراء. قلنا: و ما السمراء؟ قال: الذين يصومون النهار و يقومون الليل. قلنا:
فنحن و اللّه هم. قال: و كيف صومكم؟ فأخبرناه بذلك. قال: فرطن لأصحابه
[١] هو عيسى بن يزيد بن دأب الكناني الليثي. قال ابن النديم ص ١٠٣ (و الأغلب على آل دأب الأخبار).