البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٣٢ - القول في مدينة السلام بغداد
نهر الرفيل، و يأتي إلى المحول و نهر عيسى و يصب في دجلة بكرخ بغداد، فما ركب هذين البحرين أو جاورهما فهم أهل الماء العذب و الهواء العدي.
و أخبرني بشيء عجيب تذكره العلماء على وجه الدهر، و ذلك أنهم يقولون إن أقام الغريب ببلد الموصل تبين في [٥٥ أ] بدنه فضل قوة، و إذا أقام الغريب بالأهواز سنة تبين في بدنه و عقله نقصا. و إن الغريب إذا أقام بالتبت سنة دام سروره و اتصل فرحه. و ما نعرف لجميع ما قلنا سببا إلّا لصحة هواء الموصل و عذوبة مائها، و لرداءة نسيم الأهواز و تكدر جوّه. فأمّا علة التبت فغير معلومة.
و قال لي علي بن الجهم إنه قد سافر أسفارا أبعد فيها، مشرقية و مغربية، و انه ألزم نفسه العناية يتعرف طيب الهواء و عذوبة الماء. فلم ير موضعا أجمع للتمام في ذلك من أرباض مدينة السلام في الجانب الغربي.
و قد ظننت أن علي بن الجهم أفرط في هذا القول بالعصبية لحب الأوطان.
إذ كانت هذه الناحية منزله. و لقد كنت أفكر كثيرا في نزول الملوك المدائن من أرض الفرات و دجلة، فوقفت على أنهم توسطوا مصب الفرات و دجلة.
هذا على أن الإسكندر لما سار في الأرض و دانت له الأمم و بنى المدن العظام في المشرق و المغرب، رجع إلى المدائن و بنى فيها مدينة و سوّرها، و هي إلى هذا الوقت موجودة الأثر، و أقام بها راغبا عن بقاع الأرض جميعا و عن بلاده وطنا حتى مات.
و قد كان [بنى] بخراسان العليا سمرقند و مدينة الصغد و بخراسان السفلى مرو و هراة. ثم بالمغرب الإسكندرية، و بنى بالهند سرنديب. و بناحية إصبهان جيّ، و بنى مدنا أخر كثيرة حول الأرض فلم يختر منزلا إلّا المدائن، و إنما سميت المدائن المدينة العتيقة لأن زاب الملك الذي بعد موسى (عليه السلام) أنشأها بعد ثلاثين سنة من ملكه. و حفر الزوابي و كورها و جعل المدينة العظمى المدينة العتيقة.
يقول العجم: إن الضحاك الملك الذي كان له بزعمهم ثلاثة أفواه و ست