البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ١٧٨ - القول في الجزيرة
فأصاب خلقا من أهل شهرزور فقتلهم، و أغار على السواد فأصاب، ماه أخت سابور ذي الأكتاف، فسمع سابور بذلك فخرج و أقام عليهم سنتين، لا يظفر منهم بشيء حتى عركت النّضيرة بنت الضيزن، فأخرجت إلى الربض، فنظر إليها سابور فعشقها و عشقته فقالت له: ما لي عندك أن دللتك على ما تفتح به هذه المدينة قال لها: أجعلك فوق نسائي. قالت: فاعمد إلى حيض امرأة زرقاء فاكتب به في ورقة ثم اجعلها في عنق ورشان و سرّحه، فإذا وقع على القصر أرفضّ بأهله، ففعل فكان كما قالت، فقتل من قضاعة نحو مائتي ألف رجل، و أفنى قبائل كثيرة، و بادت إلى يومنا هذا، فقال الجديّ القضاعيّ:
أ لم يحزنك و الأنباء تنبي* * * بمقتل ضيزن و بني العبيد
ثم إنه خرج بابنة الضيزن حتى عرّس بعين التمر، فلم تنم تلك الليلة، قال لها: ما لك؟ قالت: لم أنم على فراش قطّ أخشن من فراشك هذه. قال: ويلك و هل نامت الملوك على فرش قطّ أوطأ من فرشي؟ قالت: نعم، و نظر فإذا في الفراش ورقة آس و كانت قد التزقت ببطنها، فقال: بما كان أبواك يغذوانك قالت:
بشهد الأبكار و لباب البرّ و صغار المعز فقال سابور: أنت لم تكافئي أبويك على حسن صنيعهما بك، و لم تفي لهما، فكيف تفين لي؟ فشدّت ذوائبها إلى ذنب فرسين جموحين ثم استحضرا فقطّعاها [١].
[١] الحضر: مدينة عراقية على بعد ١١٠ كم من الموصل و ٣ كم من وادي الثرثار أطلق عليها الرومان اسم (هترا). و ما تزال جوانب من معابدها الكبيرة قائمة حتى يومنا هذا. و واقعة فتحها على يد الملك الفارسي سابور الأول بعد محاصرتها من ١٢ نيسان ٢٤٠ حتى أول نيسان ٢٤١ م فاستسلمت المدينة بعد ذلك، مذكورة في التواريخ العربية و الفارسية مع ما فيها من الأساطير.
و كان السبب في هجوم سابور الأول عليها هو تحالفها مع الرومان عام ٢٣٥ م. (معجم الحضارات السامية مادة: الحضر).
يعلق الأستاذ هنري عبودي (مادة: الضيزن) على اسم هذا الملك بقوله: (إن اسم الضيزن لم يرد في كتابات الحضر و ليس هنالك أي دليل على أنه شخصية تاريخية. و المعروف أن التنوخيين العرب أسسوا مدينة الحيرة، و قد أغار عليهم سابور فذهب أغلبهم إلى الحضر و كان