البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٥٠٦ - ذكر حب الأوطان
نزل عليه الوحي على جبل يقال له سبلان، و انه حين رأى سكان تلك الناحية الباردة لا يعرفون إلّا الأذى بالبرد و لا يضربون المثل إلّا به و لا يتوعدون إلّا به حتى يقول الرجل لعبد إذا أذنب ذنبا عظيما: لئن عدت إلى مثل هذا لأنزعن ثيابك و لأقيمنك في الريح و لأطرحنك في الثلج.
فلما رأى أن موضع البرد عندهم هذا الموقع، جعل الوعيد بتضاعيفه. و يظن أن ذلك أزجر لهم.
و قال عبد اللّه بن زياد [١]: كان سبب عبادة النار عند المجوس أنه لمّا ولد المسيح (عليه السلام)، رأى الملك الذي كان في وقته للفرس- و قد قيل إنه كان أردشير- كان يرقى نعشا ثم أحرق نجمه. فهاله ذلك و جزع منه، و سأل عن القصة فبلغه خبر المسيح، فأهدى إليه هدية فيها صبر و عسل مع ثلاثة رجال من أهل فارس. فانطلقوا إلى الشام حتى لقوه و دفعوا إليه الهدية، فقبلها. ثم إن المسيح أهدى إلى ملك الفرس ثلاثة أقراص من خبز شعير قربانا مع الرسل و أوصاهم بوصية. فخرجوا من الشام يريدون بلد فارس. فبينا هم في الطريق إذ قال واحد منهم: لو أكل كل واحد منا قرصا من هذه الأقراص فكان يفوز بالفضل الذي فيها، فإن هذا الرجل- يعني المسيح- لم يكن يوجه إلى إلى الملك هذه الأقراص إلّا لفضل عظيم فيها. فتتابع اثنان على ذلك و أكلا قرصيهما. و أبى الثالث أن يفعل. فقالا له: إنّا نخاف على أنفسنا من الملك أن وقف على فعلنا. فإما [١٢٨ أ] أن تأكل قرصك و إما أن نقتلك. قال فإني آكله. و أوهمهم ذلك ثم دفنه. و انطلقوا حتى صاروا إلى صاحبهم فقال لهم: ما الذي قال لكم؟ فعرّفوه ما أوصاهم به. قال:
فأي شيء وجّه معكم؟ قالوا: لم يوجّه معنا شيئا. فقال: كذبتم. ما كان ليردكم بغير شيء. أصدقوني، ما الذي صنعتم بما أعطاكم؟ فصدقوه عن الأمر، و عرّفه الذي لم يأكل القرص ما فعل به و وصف له المكان الذي دفنه فيه. فقال: انطلق بنا حتى تقفنا على الموضع الذي دفنته فيه. فانطلق و الملك معه. فلما صارا إلى
[١] هو عبد اللّه بن زياد المدني (الحيوان ٤: ١٨، ١٩). و لهذه الواقعة ذكر مختصر في مروج الذهب ٢: ٢٤٦.