البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ١٨٤ - القول في الروم
بالخيل و الرجال، قال عمارة، فانتهيت إلى مكان يحجب منه الرجل على مسافة بعيدة، فجلست حتى أتى الأذن، فسرت إلى مكان آخر فجلست حتى أتى الأذن ثلاث مرّات، ثم وصلت إلى داره فأدخلت دارا، و إذا على طريقي أسدان عن جنبي الطريق، و طريقي عليهما لا أجد من ذلك بدّا، فقلت: لا بدّ من الموت، فلن أموت عاجزا فحملت نفسي فلمّا صرت بينهما سكنا فجزت و دخلت دارا أخرى، و إذا سيفان يختلفان على طريقي، فحزرت أنه لو مرّ بينهما ذبابة لقطّعاها، فقلت:
الذي سلّمني من الأسدين يسلّمني من السيفين، فاستخرت اللّه و مضيت، فلمّا صرت بينهما سكنا، ثم دخلت دارا ثالثة و فيها الملك فلمّا صرت إلى بهوه، إذا هو في بهو فسيح أكاد أن لا أبصره لبعد مسافة البصر بيني و بينه، فمشيت حتى انتهيت إلى قدر ثلثة فغشيتني سحابة حمراء لم أبصر شيئا فجلست مكاني ساعة، ثم تجلّت عني فقمت فمشيت، فلمّا بلغت نحو الثلثين غشيتني سحابة خضراء فغشي بصري منها، فجلست حتى تجلّت، ثم قمت فمشيت فانتهيت إلى الملك فسلّمت عليه، و الترجمان بيني و بينه، فأدّيت الرسالة و أوصلت الكتاب، فأمرني بالجلوس و سألني عن الخليفة و عن أشياء من أمر الأقاليم، ثم أمر بمنزل و إقامة ما أحتاج إليه، و أمرني بالانصراف و البكور عليه، فكنت لأغبّه و آنس بي، فركبت معه يوما فانتهينا إلى حائط عليه باب و حفظه، فدخلنا فإذا أصول طرفاء فقال: أتعرف هذه الشجرة؟
فقلت: لا، و ظننت أن عنده فيها معنى، فقال: هذه شجرة ينفع دخانها من الخراج و تمرئ الطعام، فقلت في نفسي: لو يعلم أنها ببلادنا حطب الأراذل منا، ثم مضى إلى حائط آخر عليه باب و حفظه، فدخل و دخلنا معه فإذا مقدار قفيز من أرض فيه كبر، فقال: أتعرف هذا؟ قلت: لا، و ظننت به ظنّي الأوّل فقال: هذا نبت و هو جوارشن، و ينفع من أصابه الحرق [١]، و يدخل في أدوية الجراحات.
فقلت في نفسي: لو يعلم هذا أن عندنا لا يكون إلّا في أخرب المواضع و المفاوز،
البلدان ٢: ٥٢٢) توفي عام ١٦٠ ه.
[١] قرأها دي خويه (الخرق) و نرى أنها (الحرق) من الحريق. خاصة و ان فيه خاصية تجفيف القروح الرطبة إذا وضع عليها من خارج (المعتمد ص ٤٠٨).