البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٠٢ - القول في مدينة السلام بغداد
العباسية-. فسكت العباس و انصرف من عنده إلى المنصور و قال يا أمير المؤمنين! تقطعني هذه الرحبة التي بين يدي مدينتك. قال: قد فعلت. فانصرف و معه التوقيع بإقطاعها.
و صار موسى بعد خروجه إلى المنصور، فأعلمه ضيق منزله، و أنه لا قطيعة له و سأله أن يقطعه إياها. فقال له: هل شاورت فيها أحدا قبل أن تسألني؟ قال:
لا. إلّا أن العباس بن محمد كان عندي اتفاقا. فأعلمته أني أريد استقطاعها منك.
فتبسم المنصور و قال قد سبقك و استقطعني إياها فأجبته إلى ذلك فأمسك عنها موسى بن كعب و لم يذكرها.
و ذكر بعض المشيخة قال: رأيت السجلّ بإقطاع العباس و فيه: إنك سألت أمير المؤمنين إقطاعك الساحة التي كانت مضربا للبن مدينة السلام، فأقطعكما أمير المؤمنين على ما سألت و ضمنت.
و قصر عيسى منسوب إلى عيسى بن علي بن عبد اللّه و هو أول قصر بناه الهاشميون ببغداذ في أيام المنصور.
و روي أن المنصور زار عيسى بن علي و معه أربعة آلاف رجل من الجند فتغدى عنده و جميع خاصته، و دفع إلى كل رجل من الجند زنبيل فيه خبز و ربع جدي و دجاجة و بيض و لحم بارد و حلوى. فانصرفوا كلهم مسمطين ذلك. فلما أراد المنصور أن ينصرف قال لعيسى: يا أبا العباس لي حاجة. قال: ما هي يا أمير المؤمنين، فأمرك طاعة؟ قال: تهب لي هذا القصر. قال: ما بي ظنّ عنك به، و لكن أكره أن يقول الناس: إن أمير المؤمنين زار عمه فأخرجه من قصره و شرّده و شرّد عياله. و بعد، فإن فيه من حرم أمير المؤمنين و مواليه أربعة آلاف نفس. فإن لم يكن بدّ من أخذه فليأمر لي أمير المؤمنين بفضاء يسعني [٤٠ أ] و يسعهم أضرب فيه مضارب و خيما أنقلهم إليها إلى أن أبني لهم ما يواريهم. فقال له المنصور:
عمّر اللّه بك منزلك يا عم، و بارك فيه. ثم نهض منصرفا.