البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٦١ - القول في همذان
فوقع في أصحابه الطاعون فمات عامتهم حتى لم يبق منهم إلّا القليل. و دفنوا في أحواض من خزف فقبورهم معروفة إلى وقتنا هذا في المحال و السكك.
و لم تزل همذان خرابا حتى كانت حرب دارا بن دارا و الإسكندر. فإن دارا استشار أصحابه في أمره لمّا أظلّه الإسكندر، فأشاروا عليه بمحاربته بعد أن يحرز حرمه و أمواله و خزائنه بمكان منيع لا يوصل إليه و يتجرد هو للقتال. فقال: انظروا موضعا حريزا حصينا لذلك. فقالوا له: إن من وراء الماهين جبالا لا ترام، و هي شبيهة بالسد. و هناك رسم مدينة عتيقة قد خربت و باد و هلك أهلها و حولها جبال شامخة يقال لها همذان: فالرأي للملك أن يبعث إليها من يأمره ببنائها و إحكامها و أن يجعل في وسطها حصنا يكون للحرم و الخزائن و العيال و الأموال، و تبنى حول الحصن دور لعيال القواد و الخاصة و المرازبة. ثم يوكل بالمدينة اثنا عشر ألف رجل من خاصة الملك و ثقاته يحمونها و يقاتلون عنها متى رامها أحد. فأمر ببناء همذان و بنى في وسطها قصرا عظيما مشرفا له ثلاثة أوجه و سماه ساروق و جعل فيه ألف مخبأ لخزائنه و أمواله و أغلق عليه ثمانية أبواب حديد، كل باب في ارتفاع اثني عشر ذراعا. ثم أمر بأهله و ولده و خزائنه فحوّلوا إليها و أسكنوها. و جعل في وسط القصر قصرا آخر صيّر فيه خواص حرمه و أحرز أمواله في تلك المخابئ. و وكّل بالمدينة اثني عشر ألف رجل و جعلهم حرسا عليها.
و ذكر بعض مشايخ همذان أنها أعتق مدينة بالجبل و استدلوا على ذلك من بقية بناء قديم باق إلى اليوم. و هو طاق عظيم شاهق لا يدرى من بناه و للعامة فيه أخبار عامية يذكرون [١١٢ أ] أنهم وجدوا في هذا الطاق حجرا مكتوب عليه: من إصطخر غدونا و في هذا الطاق قلنا و بالشام مبيتنا. و يزعمون أن بعض أصحاب سليمان بن داود كتبه. و ان سليمان بن داود (عليه السلام) اجتاز بهذا المكان فرأى غرابا ساقطا عليه- و يقال إن الغراب يعيش ألف سنة- فقال له سليمان: خبرني خبر هذا الطاق و من بناه. فقال: أنا هاهنا منذ ستمائة سنة، و أقام أبي قبلي هاهنا ألف سنة و جدّي قبل ذلك بألف سنة، و هو على حالته كذا وجدناه ما تغيّر منه