البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٢٨٦ - القول في مدينة السلام بغداد
أسمع به إلّا منك الساعة، و قلت إن الراهب قال لك ذلك. فعلمت أن أمر هذه المدينة سيتم عليّ لصحة ما وقفت عليه.
قال الشروي: أخبرني بعض المشايخ الموالي أن المنصور لما أراد بناء بغداد وسط المكان الذي قدر أن يجعله مدينة و أمر أن يوتد هنالك وتد و أخذ حبلا فمدّه على المقدار الذي أدار أن تكون استدارتها ثم أمر بطرح الرماد فطرح ثم نقص من مقداره أربعين ذراعا. ثم أراد خطا آخر و جعل من الخطين الخندق. و جعل فتحة أربعين ذراعا ثم عمل السور الذي خلف الفصيل و عرضه من أسفله ثمانية عشر ذراعا، و عرض أعلاه ثمانية أذرع. و جعل على ذراع منه مما يلي الخندق الشرافات فصار الباقي خمسة أذرع يمشي عليها الناس.
قال حماد التركي: بنى المنصور المدينة مدورة. لأن المدورة لها معان ليست للمربعة، و ذلك أن المربعة إذا كان [٣٢ ب] الملك في وسطها كان بعضها أقرب إليه من بعض. و المدورة من حيث مسحت كان أمرها إلى وسطها مستويا لا يزيد بعضه على بعض. و بنى لها أربعة أبواب فكان إذا جاءها الجائي من المشرق، دخل من باب خراسان. و إذا جاءها من الحجاز، دخل من باب الكوفة، و إذا جاء من المغرب، دخل من باب الشام، و إذا جاء من فارس و الأهواز و البصرة و واسط و اليمامة و البحرين و عمان، دخل من باب البصرة.
و عمل لها سورين و فصيلين، بين كل باب فصيلان، و السور الداخل أطول من الخارج. و أمر أن لا يبني إنسان تحت السور شيئا من المنازل. و أمر أن يبنى في الفصيل الثاني مع السور المنازل، لأن ذلك أحصن للسور. ثم بنى قصره في وسطها، و بنى المسجد الجامع مع القصر و عمل الشوارع على ما أراد، و أقطعها القوّاد و أنزل فيها خاصته و أهل ثقته. و جعل الطول من باب خراسان إلى باب الكوفة ثمانمائة ذراع. و من باب الشام إلى باب البصرة ستمائة ذراع. و عدد الطاقات في السور الكبير ثلاثة و خمسون طاقا سوى الطاق المفتوح. هذا في كل صف. و الطاقات الصغار التي تلي الرحبة في كل صف ست طاقات سوى طاقي