البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٢٨٥ - القول في مدينة السلام بغداد
و قال علي بن يقطين: كنت في عسكر أبي جعفر حين صار إلى الصراة يلتمس موضعاً لبناء مدينته. قال: فنزل الدير الذي على الصراة في العتيقة. فما زال على دابته ذاهبا و جائيا منفردا عن الناس يفكر. قال: و كان في الدير راهب عالم فقال لي: كم يذهب هذا الملك و يجيء؟ قلت: يريد أن يبني مدينة. قال:
فما اسمه؟ قلت: عبد اللّه بن محمد. قال: أبو من؟ قلت: أبو جعفر. قال: يلقب بشيء؟ قلت: المنصور. قال: ليس هو الذي يبنيها. قلت: و لم؟ قال: لأنّا قد وجدنا في كتاب عندنا نتوارثه قرنا عن قرن، الذي يبني مدينة في هذا المكان يقال له مقلاص. قال: فركبت من وقتي حتى تقدمت منه فقال: ما وراءك؟ قلت: خبر ألقيه إليك و أريحك هذا العناء. قال: و ما هو؟ قلت: أمير المؤمنين يعلم أن هؤلاء الرهبان معهم علم، و قد أخبرني راهب هذا الدير بكيت و كيت. فلما ذكرت مقلاصا ضحك و استبشر و نزل عن دابته فسجد و أخذ سوطه فأقبل يذرع به. فقلت في نفسي لحقه اللجاج. ثم دعا المهندسين من وقته فأمرهم بخطّ الرماد. فقلت له: أظنك يا أمير المؤمنين أردت معاندة الراهب و تكذيبه. فقال: لا و اللّه و لكني كنت ملقبا بمقلاص، و ما ظننت أن أحدا عرف ذلك غيري. فاسمع حديثي بسبب [٣٢ أ] هذا اللقب: كنا بناحية الشراة في زمان بني أمية على الحال التي تعلم.
فكنت و من كان في مقدار سنّي من عمومتي و اخوتي نتداعى و نتعاشر، فبلغت النوبة إليّ يوما من الأيام و ما أملك درهما واحدا فما سواه، فلم أزل أفكر و أعمل الحيلة إلى أن أصبت غزلا لداية كانت لي فسرقته ثم وجهت به فبيع و اشتري بثمنه ما احتجت إليه و جئت إلى الداية فقلت لها: افعلي كذا و اصنعي كذا. قالت: و من أين لك ما أرى؟ قلت: اقترضت دراهم من بعض أهلي. ففعلت ما أمرتها به. فلما فرغنا من الأكل جلسنا للحديث، طلبت الغزل فلم تجده، فعلمت أني صاحبه.
و كان في تلك الناحية لصّ يقال له مقلاص شهر بالسرقة. فجاءت إلى باب البيت الذي كنا فيه فدعتني فلم أخرج إليها لعلمي أنها قد وقفت على ما عملت. فلما ألحت و أنا لا أخرج قالت: اخرج يا مقلاص! الناس يتحرزون من مقلاصهم و مقلاصي معي في البيت. فمزح معي اخوتي و عمومتي بهذا اللقب ساعة. ثم لم