البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٥٨٥ - القول في أرمينية
عن سلاحكم فلم يكن اللّه جلّ و عزّ ليلهمني الشخوص عن وطني اثني عشر حولا حتى أسدّ ثغرا يكون مرفقا لعباده و راحة لأهل إقليمه، ثم يسلّط عليّ بهيمة من بهائم البحر، فتنحّى الأساورة و أقبل الطالع نحو الفند حتى علاه ثم قال: أيّها الملك أنا ساكن من سكّان هذا البحر، و قد رأيت هذا الثغر مسدودا سبع مرّات، و خرابا سبع مرّات، و أوحى اللّه جلّ و عزّ إلينا معاشر سكّان البحر أن ملكا عصره عصرك و صورته صورتك يبعثه اللّه لسدّ هذا الثغر، فيسدّه إلى الأبد، و أنت ذلك الملك، فأحسن اللّه مثوبتك، و على البرّ معونتك، و أطال مدّتك، و سكّن يوم الفزع الأكبر روعتك، ثم غاص في البحر. و كذلك بنى مدينة شروان، فأما بلنجر داخل أرض الخزر فبناها بلنجر بن يافث.
و لمّا فرغ أنوشروان من الفند الذي في البحر سأل عن ذلك البحر فقيل: أيّها الملك هذا البحر يسمّى بكردبيل، و هو ثلاثمائة فرسخ في مثله، و بيننا و بين بيضاء الخزر مسيرة أربعة أشهر على هذا الساحل، و من بيضاء الخزر إلى السدّ الذي سدّه إسفنديار بالحديد مسيرة شهرين، قال أنوشروان: لا بدّ من الوقوف عليه، قالوا:
فليس إليه طريق يسلك، و فيه موضع يقال له دهان شير، و فيه دردور [١] لا يطمع فيه، و لا في سلوكه، و لا تنجو سفينة منه، فقال: لا بدّ من ركوبه و الإشراف على هذا الدردور و النظر إلى هذا السدّ، فقالوا: أيّها الملك اتّق اللّه في نفسك و من معك، فأبى و قال: إن الذي نجّاني من الخارج علينا من البحر لقادر أن ينجّينا من دردوره، فهيّئت له سفن و ركب معه عدّة من الزهّاد و العبّاد، و لجّجوا في البحر أيّاما، حتى إذا وافوا موضع الدردور بقوا متحيّرين لا يرون علما يجعلوه منارا لهم، و لا جبلا يقيموه إمارة لمنصرفهم، فرجعوا على الملك باللوم، فقال أنوشروان: أخلصوا للّه نيّاتكم و اضرعوا إليه و ابتهلوا إلى اللّه عزّ و جلّ، و نذر أنوشروان لئن نجّاه اللّه ليصدّقنّ خراج سبع سنين في أهل الفاقة من مملكته، فبينما هم كذلك إذ رفعت لهم جزيرة تعلوه الأمواج و فوق الجزيرة تمثال أسد في عظم
[١] الدّردور: موضع في وسط البحر يجيش ماؤه لا تكاد تسلم منه السفينة. و قال الجوهري:
الدردور: الماء الذي يدور، و يخاف منه الغرق. لسان العرب (درر).