البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٥٠٨ - ذكر حب الأوطان
[١٢٨ ب] جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَ مَتاعاً لِلْمُقْوِينَ. وقف عند هذا القول. فإن كنت مؤمنا فتذكر ما فيها من النعمة أولا ثم النقمة آخرا، ثم قوّم مقادير النعم و تصاريفها.
و قد علمنا أن اللّه عزّ و جلّ قد عذّب الأمم بالغرق و الرياح و الحاصب و الصواعق و الخسف و غير ذلك، و لم يبعث عليهم نارا، كما بعث عليهم ماء و ريحا و أحجارا. و جعل النار من عقاب الآخرة. و نهى أن يحرق بها شيء من الحيوان و الهوام [و قال: لا تعذّبوا بعذاب اللّه]. فقد عظّمها كما ترى.
و قال عز و جل يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَ نُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. فجعل الشواظ و النحاس و هما النار و الدخان من الآية. فلذلك قال على نسق الآية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.
و نار أخرى و هي نار إبراهيم (عليه السلام) التي ألقي فيها فجعلها اللّه عزّ و جلّ عليه بردا و سلاما.
و نار أخرى و هي النار التي كانوا [يستمطرون بها] في الجاهلية فإنهم كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات و احتاجوا إلى الاستمطار، اجتمعوا و جمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثم عقدوا في أذنابها السلع و العشر المشدود في أذناب البقر [و أشعلوا فيها النيران] و ضجّوا بالبكاء و الدعاء و التضرع. فكانوا يرون ذلك من أسباب السقيا لهم. و لذلك قال الشاعر [١]:
لا درّ درّ رجال خاب سعيهم* * * يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أ جاعل أنت بيقورا مسلّعة* * * ذريعة لك بين اللّه و المطر
و نار أخرى كانوا يوقدونها عند التحالف و التعاقد، فيذكرون منافعها و يدعون اللّه بالحرمان و المنع من منافعها على الذي ينقض العهد و يخيس العقد. و ربما دنوا من النار حتى تكاد تحرقهم. و يهوّلون بذلك على من يخافون غدره. و قال الكميت:
[١] في الحيوان ٤: ٤٦٨ قال إنه للورل الطائي.