البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٨٢ - مجاراة عبد القاهر و الحسين بن أبي سرح في مدح همذان و العراق و ذمّهما
و المشي شهرين بالميزان قد زهقت* * * نفوسهم فرقا من خشية الزلق
فكلّ غاد بها أو رائح عجل* * * يمشي على أهلها غضبان ذا حنق
قوم غذاؤهم الألبان مذ خلقوا* * * فما لهم غيرها من مطعم أرنق
لا يعبق الطيب في أصداغ نسوتهم* * * و لا جلودهم تبتّل من عرق
فهم غلاظ جفاة في طباعهم* * * إلّا تعلّة منسوب إلى الحمق
أفنيت عمري بها حولين من قدر* * * لم أقو منها على دفع و لم أطلق
فلما بلغ عبد القاهر هذا المكان، التفت إليه ابن أبي سرح فقال: لقد أكثرت في المقال و أسرفت في الذم و أطلت القلت و طوّلت الخطبة. و لولا ما أجزت إليه من سوء المقال و كثرة الهذيان لكنا عن مجاوبتك بمعزل و عن محاورتك في شغل.
فمهما كان فينا- يا أبا علي أكرمك اللّه- و في هوائنا و أرضنا و بلدنا و صقعنا.
فليس فينا جفاء النبط و عجر فيه أهل [١١٩ أ] السواد، و أخلاق الخوز، و غدر أهل الكوفة، و دقة نظر أهل البصرة، و بخل أهل الأهواز، و سوء معاشرة أهل بغداد و شدة حيلهم، و جفاء أهل الجزيرة، و غباوة أهل الشام.
و أهل الجبل قد سلموا من شدة حرّ البصرة، و من كثرة ذباب بغداد، و من بقّ البطائح، و براغيث الكوفة، و تغير هواء مصر، و من جرارات الأهواز و سمائمها، و من عقارب نصيبين، و ثعابين مصر، و من أفاعي سجستان.
و هل الخصب و الخير و النعمة و الدعة و الأكل و الشرب إلّا في الشتاء الذي تغيب فيه الهوام و تنحجر الحشرات و يموت الذباب و يهلك البعوض و يبرد الماء و يصفو الجوّ و يطيب فيه العناق، و يظهر فيه الفرش و الكسوة و النعمة و الملوكية و السرو [١] و الخرمية.
و إذا ميزت الأقاليم صقعا صقعا و بلدا بلدا و كورة كورة و طسوجا طسوجا، علمت أنه لا يخلو بلد من البلدان و لا إقليم من الأقاليم في شرق الأرض و غربها
[١] في المختصر: المروءة.