البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٨٤ - مجاراة عبد القاهر و الحسين بن أبي سرح في مدح همذان و العراق و ذمّهما
أهل عمان و أهل البصرة و سيراف و بغداد من أذى السمائم من الهواء الكدر الغليظ و الماء السخن الزعاق و كثرة الذباب و الجعلان و الخنافس و الحيات و العقارب و الجرّارات و النمل و البعوض و البق و الجرجس و غير ذلك مما يطول ذكره، علمت أن العيش عيشنا و النعمة نعمتنا.
و ملوك الجبل لا يعدون العيش عيشا و النعمة نعمة إلّا في أيام الشتاء. لأنهم يفرشون من الفراش أسراه و يلبسون من الثياب أحسنها و أدفأها. و يلبسون الثعالب البيض و السود و الحمر و الفنك و السمور و القاقم و الحواصل و الوشق و الدلق و الفراء اليمانية. و يفرشون الخز الرقم و الأرمني المحفور و الميساني و القطوع و الديباج و المرعز و السوسنجرد.
و لهم المضارب و الأبنية و الستارات و السرادقات و القباب التركية و أثواب عدن و ثياب نيسابور و مرو و أصفهان، و النعمة عندنا في الشتاء أظهر و الخير أكثر.
و لولا الشتاء و ثلجه و برده و ريحه و مطره لما نبت لنا في الصيف زرع و لا ذرّ ضرع و لا أخضر شجر و لا اجتني ثمر. و لذلك قال الشاعر:
لولا الشتاء و لولا قبح منظره* * * لما بدا من ربيع منظر حسن
و في الشتاء يستلذ الملوك شرب المدام لطول الليل و قلة الهوام. و الشراب صديق النفس و حياة الأبدان و السبب إلى الزيادة في الأعمار و صحة الأجسام، و باعث الحرارة الغريزية و مرطّب الأعضاء اليابسة و طارد الهم و الفكر، و الزائد في ارتفاع الهمة. و له اتخذت القصور [١٢٠ أ] المشيدة و المجالس المنجدة و النمارق الممهدة، هذا في الشتاء.
فإذا جاء الربيع، فلنا الأفياء الحسنة و الرياض الخضرة و الجنان المتصلة و المياه المطّردة و الأرواح الطيبة و المواضع النزهة.
ثم لنا من الأنوار و الزهر في الرياض و الغدران ما لا يكون في بلادكم و لا يعرف عندكم. حتى لقد جهد ملوككم و كتّابكم و ذوو النعمة منكم أن يغرسوه في بساتينهم و جناتهم، فلم يستو ذاك لهم و لا أفلح عندهم. من ذلك: الزعفران