البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٨٣ - مجاراة عبد القاهر و الحسين بن أبي سرح في مدح همذان و العراق و ذمّهما
و برها و بحرها و سهلها و جبلها من حرّ و برد أربعة أشهر. و لذلك قال أبو دلف:
إني امرؤ كسروي الفعال* * * أصيف الجبال و أشتو العراقا
و ألبس للحرب أثوابها* * * و أعتنق الدار عين اعتناقا
فاختار بفضل رأيه و جودة تمييزه أن يصيف الجبال ليسلم من سمائم العراق و ذبابه و هوامّه و حشراته و سخونة مائه و هوائه. و اختار أن يشتو بالعراق ليسلم من زمهرير الجبال و كثرة أنديتها و وحولها و ثلوجها. و قد قال أيضا في غير هذا المعنى. بل في ضدّه لسبب دعاه إلى ذلك:
أ لم تر حين حال الزمان* * * أصيف العراق و أشتو الجبالا
سموم المصيف و برد الشتاء* * * حنانيك حالا أزالتك حالا
فصبرا على حدث النائبات* * * فإن الخطوب تذلّ الرجالا [١]
و السبب الذي لأجله قال هذه الأبيات أنه لمّا قال القافية التي كتبناها قبلها اتصلت بعبد اللّه بن طاهر- و كان سيىء الرأي بأبي دلف- فقال:
أ لم تر أنا جلبنا العناق* * * إلى أرض بابل قبّا عتاقا
[١١٩ ب]
فما زلن يعسفن بالدار عين* * * طورا حزونا و طورا رفاقا
إلى أن وردن بأدوائها* * * قلوب رجال أرادوا النفاقا
و أنت أبا دلف ناعم* * * تصيف الجبال و تشتو العراقا
فلما وقف أبو دلف على هذه الأبيات آلى على نفسه أن لا يصيف إلّا ببغداد و لا يشتو إلّا بالجبل.
فإذا صحّ لك ما قلنا و تبين ما حكينا، ثم ميّزت و تفكرت و نظرت و أنصفت.
علمت أن البرد أصلح من الحرّ. لأنك إذا أضفت البرد و هو الجبال إلى ما يقاسيه
[١] في المختصر، العجز هو: تأبي الحوادث إلّا انتقالا.