البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٤٦ - في أبنية البلدان و خواصها و عجائبها
[١٠٥ ب] و مر بعض الكتاب بالدسكرة فرأى ما فيها من البنيان و المصانع و القصور و خان الآجر و حبس كسرى و المدينة فقال [١]:
يا من يأمّ إلى بغداد مجتهدا* * * أرح مطيّك بين الحبس و الحان
بين القناطر و الدساكر و القرى* * * فمحلّ كسراها أنوشروان
تنبيك آثار الملوك بأنّهم* * * كانوا ذوي بأس ذوي سلطان
و لقد عجبت و في الزمان عجائب* * * ما عاينت عيناي في الإيوان
إيوان كسرى شاهق شرفاته* * * عالي الذرى مستوثق الحيطان
ما أن به إلّا الصدى و حمائم* * * مخضرة تدعو على الأغصان
بعد النواعم و الأوانس بدّلت* * * هاما و عقبانا مع الغربان
و تبدّلت بعد الأنيس فما ترى* * * إلّا العزيف بها من الجنّان
و قال يحيى بن معاذ: اصرف طرفك في القصور المشيدة و الحصون الممردة الأركان، الشاهقة الجدران، و انظر إلى الأبواب المترفة العجيبة البنيان. كيف قد نظمت بكيد المحتالين و إنفاق المشرقين و مهارة الشابزين [٢]. عريضة القواعد، محكمة الوسائد، منيفة الذرى، صعبة المرتقى. للطير في جوانبها و كور، و للقطر في معالمها ندوب. قد أنافت على الأبنية () [٣] و تطاولت على الهضاب بارتفاعها. و أحكمها عاملوها و جردوا فكرهم فيها و بذنوا ذخائرهم فيها و أزاحوا علل مشيديها، و بلغوا أقصى الأمل منها. و جعلوها عدة للدهر و حصنا للزمن. فلا ينالهم فيها عناء. و لا ظفر محاول. فيها العيون الجارية و القباب العالية و الحجر السامية. و الخرد النواعم و الأبكار الفواتن يجررن في عرصاتها الذيول، يسطع منهن ذكي المسك و يعبق العنبر. ترى باطن حيطانها كالو [٤] ذابلة تبرق بماء
[١] انفرد المختصر بذكره هذه القصيدة.
[٢] كذا في الأصل.
[٣] كلمة مطموسة.
[٤] كذا في الأصل.