البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٢٣ - القول في مدينة السلام بغداد
من مدينة السلام. كائنا من كان أو يحمل إلى مواطنهم [٥٠ أ] و يغشاهم و ينافسون على اصطناعه و يشاحّون على ادخاره و يغارون على اقتنائه كما يستقصون على فقدانه و يتحاسدون على وجدانه. و أحسبهم يعنون بعد المجاهدة في ذلك و المبالغة في اطلاب ذلك إلى غير المنفيين من الطباخين و المستجهلين من المتطببين و المستبردين من المغنين و المسترقين من الحناطين. فقد قنع الرئيس الأعظم و الملك الأكبر من الجماعة أن يقال هذه مغنية بغدادية و عاملة عراقية و زامرة زريابية و طبّالة عتقية و عوّادة بناتية أو خريجة [١] شارية، و زنبق و رحيب و منعم و عرفان و زاعم و بدعة، و كفاهم من ذلك أن تقول الجارية رأيت بدعة و كلّمت تحفة و سمعت جدوة، و شاهدت طيابا و أعرف زريابا. كما كفاهم أن يقولوا: ماشطة طاهرية و خازنة حريمية، و كانت ستّي فلانة الفلانية. فتلك عندهم من النعم المعدودات و الذخائر المقتصدات.
ثم رجع الكلام إلى ذكر شبيه ما كنا فيه من ذكر المصريين، فلعل القوم أن يفاخرونا بالمعادن و يعازّونا بالزبرجد و الدبيقي، فإن فعلوا، فأخلق بنا أن نقول إن ذلك شيء إن استجاز القوم المعازّة به في المعادن و في الزبرجد و الدبيقي، فكانوا قد دلّوا من أنفسهم على ضعف كبير و عجز مشهور. و إلّا فإن كان المعدن هو العلة لشرفهم فليس بمأمون زوال الشرف بزوال المعدن. و إن كان شرف المعدن إنما هو شرف لنفسه، كانت كل ذات معدنية ذات شرف بنفسها. و إن كان شرف الذهب شرفا لنفسه، فلا يكون الرصاص و حجر النار شريفا لنفسه. و إن كان شرف القوم إنما هو شيء هو لعلّتهم و علّة المعدن معا، و قد وجدنا نصيب أبعدنا من المعدن كنصيب أقربنا منه و أوفر، و لست مع ذلك تجد الحدّ في ثمن المثقال من الذهب بمصر إلّا كالحدّ في قيمته بأقصى حجر بالتبر و الطيلسان.
فأما معازتهم بالقصب و الدبيقي [٥٠ ب] و الملحم و الخليجي، فقد قلنا و نقول: إن ذلك هو شيء لنا دونهم. فإنه لو وجب التطاول بذلك علينا لاستجاز
[١] اي انها تخرجت في العزف و الغناء على شارية أو زنبق ...