البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٢٤ - القول في مدينة السلام بغداد
الحرّاثون مفاخرة أرباب الضياع، و نساجو الديباج التطاول على لابسيه. و لكان مركّب التاج بالدر و الياقوت يشارك الملك الأعظم في عزه و سلطانه و في أقصى من مكانته من شانه. حتى كون صائغ الإكليل أحق به ممن أمره و نهاه و استأجره و أعطاه. و الدليل على صدقنا، أن أهل مصر لو كانوا إنما يتخذون الدبيقي و يتكلفون صنعة الملحم و التنيسي لهم و لمن هو منهم و إليهم، لهلك النسّاجون و لمات البزازون و سائر من بها من أرباب القراطيس و صناع الشمع و الخيش و الكرابيس.
ذلك هو القول في المجهزات جميعا من خراسان و سائر بلاد اللّه في جميع العمران.
ثم لا نجد بغداد عند ذلك إلّا كالجوهر القائم بنفسه، و البلدان دونها كالأعراض التي لا قوام لها إلّا بما هو أثبت بها و أغنى عنها. فالدنيا العراق و الناس أهلها. و الطاعنون على بغداد هم الطاعنون على اختيار الخلفاء. و الطاعنون على الخلفاء، الطاعنون على الأنبياء، و الطاعنون على الأنبياء هم الطاعنون على رب الأنبياء.
و حدثني القاضي إسماعيل بن إسحاق، و كفى به محدثا. و محمد بن يزيد و كفى به مخبرا، قال: لقد كنا نلتمس بالبصرة من جيد التمور و أنواع الأرطاب فنجد ببغداد ما لم ير مثله بأنهار البصرة جميعا.
و حدثني من لا ارتياب للعقلاء في عقله و لا اشتباه عند الحكماء في فضله بعلومه و آدابه و أنسابه و إحسانه عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر متمثلا في أثر كلام مرّ في غرائب بغداد فقال: تزعم العامة أن رجلا من مجهّزي القطن كان بالشام ثم وقع إلى كورة مرو من بلاد خراسان و هو لا يظن أن القطن يكون بغير الشام فاحتمل من كثرته بمرو بما فاض عن عقله و اتهم معه فهمه. ثم سأل عن البلدان التي يحتمل تجهيز ذلك إليها فقيل له بغداد. فقال: و كم في الأرض من [٥١ أ] بغداد. فصدق عن القصة فقال: أظن أن أهل بغداد يأكلون القطن أو تبنى لهم به المساكن و الجدران. فأقبل يريد العراق لذلك.