البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٢٢ - القول في مدينة السلام بغداد
يشم في محال مصر شيئا من المسك الأذفر و لا الكافور و العنبر.
و حدثني في أثر ذلك صديقي السرخسي فقال: إن طبّاخا [٤٩ ب] لنا أتى بقمامة فرماها إزاء باب دار منزلنا ببغداد فجلست لتأديبه قبالتها و دعوت بالمقارع، إذ أقبل رجل يسعى لشأن كأنما لم يخلق لغيره، فبحث القمامة بيده و أثار منها صوفا و زجاجا مكسّرا فالتقفه و مضى مبادرا. ثم أتى آخر في أثره ينحو نحوه فبحث باقيها و أثار منها قشور جوز و قشور [١] فأخذ منها و ولى منطلقا. ثم تلاهما ثالث يقفو أثرهما فأثار القمامة و أخرج ما كان فيها من النوى فأخذها و مضى. ثم أقبل قمّام الحمّام فغربلها و تزود ما فيها ثم مضى. ثم أقبل آخر معه فنخل التراب فاستخرج منه شيئا فأخذه و مضى. ثم جاء أجير الحراث فكسح باقيها و كان ترابا و رمادا فأخذه و مضى. قال: فأمسكت عن ضرب الغلام و قلت: ذلك تقدير العزيز العليم.
و ما حاجتنا و ما حاجتك إلى الانتصار بغير العيان و التظاهر على خصمائنا بغير ما هو لنا [٢] في الزمان؟ هؤلاء المادرائيون أهلنا و أصحابنا و إخوتنا و أترابنا رؤساء مصر و سوّاسها و كتاب أعمالها و أربابها ذوو القدرة التامة و الأمر النافذ و السلطان الظاهر و العز المتظاهر، يتطلّع أعظمهم قدرا و أكبرهم أمرا و أعزهم شأنا و أوسعهم سلطانا إلى قوافل الحاج و وفود المجهّزين من بغداد، حتى يستصحب لهم الخفاف الطائفية و النعال السندية و المقاريض الهيثمية و الأمشاط الطاهرية و السكاكين الكتابية و كثيرا مما يصنع من الأبنوس و العاج و العام الموجود من العطر و الزجاج. فما ظنك بما لا يتهيّأ حمله و لا يسهل تجهيزه و نقله؟
و لست تجد كبيرا من كبراء الأطراف و لا عظيما من عظماء ملوك النواحي كملك الديلم و الطيلسان و ملك السوس و من وراء آذربيجان و سائر المتغلبين من أولياء الدولة في مشارق الأرض و مغاربها إلّا متبجحين بمن يصير إليهم و يلقاهم
[١] كلمة مطموسة.
[٢] في الأصل: ما هو لانا.