البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٢٥ - القول في مدينة السلام بغداد
[و] أشرف من بلاد الري و نواحيها على ما لم تر عينه مثله من الأقطان أيضا و تجهيزها، فسأل فكانت القصة سواء. ثم أقبل إلى ملتقى القوافل بقرميسين فأقبلت عليه الأرض بيضاء بالأقطان فازداد حرصا على مشاهدة بلد يأكل أهله القطن و يشربونه و يبنون به دورهم.
فلما بلغ بغداد، لم يرها بنيت بالقطن و لا مصنوعة منه فقال له: ها أنت ببغداد. قال: فإذا كانت هذه بغدادكم، فأين الدنيا و الآخرة؟
و قال المعروف بابن يزيد الرقي و محمد بن نصر الدلّالان:- و هما شيخان مستوران قد أسنّا- إنّا لنركض على حميرنا في حواشي بغداد و أوساطها منذ سبعين سنة لدلالة ما يباع من المنازل و العقارات و سائر العقد و المستغلات في الليل و النهار و الغدو و الآصال. و إنّا لنمرّ في أيامنا بل في الزمان جميعا ببقاع و لا عهد لنا بها و دور لا معرفة لنا بشيء منها و مسالك لا تحيط بها أوهامنا و لا سلكناها قط. و كثير من الناس يقولون إن جانبي بغداد كالفرسخين، و قد غلطوا في ذلك غلطا بيّنا.
و أنشد لكاتب من أهل البندينجيين يذكر فضل بغداد و يذم مصر:
هل غاية من بعد مصر أجيئها* * * للرزق من قذف المحلّ سحيق
لم يأل كم حطّت بمصر ركابه* * * للرزق من ركن لديه وثيق
نادته من أقصى البلاد بذكرها* * * و تعنّفته بعد بالتعويق
كم قد جشمت على المكاره دونها* * * مِن كلّ مشتبه الفجاج عميق
و قطعت من عافي الصّوى متخوّفا* * * ما بين هيت إلى محارم فيق
فعريش مصر هناك فالفرما إلى* * * تنّيسها فدبيرة فدبيق
بحرا و برّا قد سلكتهما إلى* * * فسطاطها و محلّ كلّ فريق
و رأيت أدنى خيرها من راغب* * * أنأى لطالبه من العيّوق
قلّت منافعها فضجّ ولاتها* * * و شكا التجار بها كساد السوق