البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٢٧ - القول في مدينة السلام بغداد
المتقدم في لطيف الفطنة و حسن الحيلة، ليّن المعاملة جميل المعاشرة حلو اللفظ مليح الحركات ظريف الشمائل.
فأما ما ينبغي أن تفهمه من عيبها و تقف عليه من مذموم أمرها فهو أن بعض ما عددت محاسنها يعود فيصير عيبا لها و قبيحا من أمرها. و ذلك أن سعتها أفرطت حتى صارت مساحتها أربعة فراسخ. و الذي هذه مساحته إذا كان قريبا معتدلا يحيط به حائط طوله ثمانية فراسخ. يكون ذلك أربعة و عشرين ميلا. و إذا كان هذا هكذا و احتيج إلى حراسة هذه المدينة و احتاج سلطانها التحصن فيها، فأقل ما يحتاج إليه من الحفظة و أصحاب المجانيق و العرادات في كل ميل ألف رجل يكون جملتهم على حسب ذلك أربعة و عشرين ألف رجل. فإذا لم يحفظ هذه المدينة أهلها متبرعين ذلك أو مضطرين، فأقل ما تحتاج إليه لأرزاق و حفظتها على اختلاف أحوالهم و قائد و عريف و تابع و ما يحتاج إليه لمؤن المدادين في المجانيق و العرادات و مؤن الموكلين بهم و القوام و مرمّة أسلحتهم و ما يتصل بذلك من أثمان الآلات و مرمتها ما يكون لو ضرب بعضه في بعض على أحسن التقديرات عشرة دراهم كل يوم. و لكل رجل زهاء مائتي ألف درهم و أربعين ألف درهم في كل يوم. فإذا أقاموا على ذلك شهرا، احتاج هؤلاء الحفظة دون المقاتلة إلى سبعة ألف ألف درهم و مائتي ألف درهم. فإن كان المتحصّن [٥٢ ب] مختلا فقد أتي من مأمنه و دخل عليه في حصنه. و لذلك ما أنفق محمد بن عبد اللّه بن طاهر في سنة المستعين و الفتنة، زهاء مائة ألف ألف درهم على حفظ السور و المقاتلة. و لقد دخله خلل و هجم على المدينة من ناحية بغوبربا حتى ناحية السور و نقص من الإحاطة شيء له قدر. فهذا أحد العيوب أيضا. فإن الخليفة الذي رسم هذه المدينة التي يحامى عليها من الأطراف الشاسعة و الثغور النائية. و إن القطب الذي عليه المدار و القبة التي ينفذ منها التدبير لمتوسطها بين أقصى المشرق و أبعد نهاية المغرب. و كذلك هي في توسط ما بين الشمال و الجنوب. و ذلك أن كثرة أهلها تدعو إلى شدة الحاجة، و إلى كثرة الميرة لها. و لذلك ما يحتاج أهلها إلى ميرة من أقصى ديار مصر. و بينها و بين ذلك مائة و عشرون فرسخا. و يحتاجون من البعد