المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٨ - ذكر العقبة الثانية
فلمّا بايعنا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم صرخ الشيطان من رأس العقبة، بأنفذ صوت سمعته قطّ: يا أهل الجباجب [١]، هل لكم في مذمّم [٢]، و الصّباة [٣] معه قد اجتمعوا على حربكم.
فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «ما يقول عدو اللَّه، هذا أزبّ العقبة [٤]، اسمع [٥] أي عدو اللَّه، أما و اللَّه لأفرغنّ لك».
ثم قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «ارفضّوا [٦] إلى رحالكم» فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: و الّذي بعثك بالحق، لئن شئت لنميلنّ غدا على أهل منى بأسيافنا؟.
فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «لم تؤمر بذلك، و لكن ارجعوا إلى رحالكم».
فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلّة قريش، حتى جاءونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنّا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، و تبايعونه على حربنا، و إنه و اللَّه ما من حيّ أبغض إلينا، أن تنشب الحرب بيننا و بينهم، منكم.
قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم باللَّه ما كان من هذا شيء، و ما علمناه. قال: و صدقوا لم يعلموا. قال: و بعضنا ينظر إلى بعض.
قال ابن إسحاق [٧]/: و حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر بن حرام [٨]: أن قريشا أتوا عبد اللَّه بن أبي بن سلول، و ذكروا له ما قد سمعوا من أصحابه، فقال: إن هذا الأمر
[١] الجباجب: منازل منى. و أصل إطلاق الجباجب على المنازل، مأخوذ من أن الأوعية من الأدم كالزنبيل و نحوه، تسمى: جبجبة، فجعل الخيام و المنازل لأهلها كالأوعية.
[٢] المذمم: المذموم.
[٣] الصباة، جمع صابئ. و كان يقال للرجل إذا أسلّم في زمن النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم «صابئ».
[٤] أزب العقبة: اسم شيطان، و يروى بكسر الهمزة، و سكون الزاي. و الأزب: القصير أيضا.
[٥] في أحد أصول ابن هشام: «أ تسمع».
[٦] أرفضوا: تفرقوا.
[٧] سيرة ابن هشام ١/ ٤٤٨، ٤٤٩.
[٨] في أ: «عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم».