رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٣
٦. البدَاء:
يقول بعض الغلاة بأنّ اللّه سبحانه وتعالى يبدو له ـ أحياناً ـ غير الذي أراده
فيرجع عن إرادته الاَولى إلى الذي بَدَا له، وفي هذا مساس بالقدرة الاِلهية،
والكمال الاِلهي، مما يتناقض مع العقيدة السليمة ومقتضيات العقل، كما يتعارض
مع صريح القرآن الكريم، قال تعالى:
(لا يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى). [١]
وقال تعالى:
(مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلّـمٍ لِلْعَبِيدِ). [٢]
والبدَاء بهذا المعنى فكرة يهودية روجها «عبد اللّه بن سبأ» واستغلها بعض
الشيعة، لئلا يظهر على أئمّتهم كذب فيما يدعونه من علم الغيب، فإن تحقق ما
يقولونه لاَتباعهم، قالوا لهم: ألم نُعلمكم أنّ هذا سيكون، فنحن نعلم من قِبَل اللّه
عزّ وجلّ ما علمته الاَنبياء عن اللّه، وإن جاء الواقع بخلافه اعتذروا لشيعتهم وقالوا
لهم: بدا للّه في ذلك أمر.
ولكن «الاثني عشرية» وإن قالوا بالبداء، فهم يفسرونه بمثل ما قال به بعض
أهل السنّة، من قضاء مبرم وقضاء معلق، وما أشارت إليه خواتيم سورة الرعد من
محو وإثبات:
(يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَـبِ). [٣]
فأمّا القضاء المعلَّق فهو ما توجهت إليه الاِرادة من البداية معلقاً على شرط
حصوله، وكلاهما مراد منذ البدء دون بداء أو تغير في العلم أو الاِرادة، وليس هذا
من قبيل ما كان يلجأ إليه كذبة الغلاة تضليلاً لاَتباعهم حين يتخلف بعض ما قالوا،
[١] طه: من ٥٢.
[٢] ق: ٢٩.
[٣] الرعد: ٣٩.