رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥١
يقوم بها إلاّ الاَمثل فالاَمثل من الا َُمّة، و من تمتَّع بتربية إلهية وكان ذا كفاءة وجدارة
على إدارة الدولة بمختلف شوَونها، وليس التعرّف على مثل ذلك الاِنسان أمراً
يسيراً بل لا يعلمه إلاّ اللّه سبحانه والنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن طريق إبلاغه.
وهذه هي نظرية التنصيص عند الاِمامية فهم لا يرضون إلاّ بتنصيص النبيّ صلّى اللّه
عليه وآله وسلّم على من يخلفه لملء الفراغ الحاصل بعد غيابه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن المسرح السياسي
والاجتماعي وليس في مقدرة الشورى ولا وسع البيعة العامة التعرّف على ذلك
الرجل المثالي والكفوء الذي يلي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الفضائل والمناقب.
إنّ انتخاب الخليفة عن طريق شورى المهاجرين والاَنصار أو البيعة العامّة
قد تعرّض إليه علماء الكلام نظرياً، دون أن يدخل حيز التطبيق العملي بل واقع
الخلافة في صدر الاِسلام أثبت خلاف ذلك، ويعرب هذا عن أنّ المعهود في
ذلك العصر هو التنصيص لا المشاورة ولا الاستفتاء ولا بيعة عامة.
فهذا عمر بن الخطاب قد أخذ بزمام الا َُمور من قبل الخليفة الاَوّل حيث
قال: إنّي أستخلف عليكم عمر بن الخطاب [١]
كما أنّ الخليفة الثالث تسلّم مقاليد الا َُمور عن طريق شورى سداسية عيّـن
أعضاءها عمر بن الخطاب [٢]
روى الموَرّخون أنّ عمر بن الخطاب لمّا أحسّ بالموت قال لابنه عبد اللّه:
إذهب إلى عائشة واقرأها منّي السلام واستأذن منها أن أُقبر في بيتها مع رسول اللّه
ومع أبي بكر.
فأتاها عبد اللّه بن عمر فأعلمها فقالت: نعم وكرامة، ثم قالت: يا بُنيّ أبلغ
عمر سلامي وقل له: لا تدع أُمّة محمّد بلا راع واستخلف عليهم ولا تدعهم بعدك
[١] ابن قتيبة الدينوري: الاِمامة والسياسة: ١٨؛ الجزري: الكامل: ٢|٤٢٥.
[٢] الطبري: التاريخ: ٣|٢٩٤.