رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٠٣
غضون السنين، شاحذاً عزمه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للمضيّ في طريق الدعوة بلا مبالاة لما
يتّهمونه به.
والآية تعرب عن أنّ الكتب السماوية الاَُخرى كالتوراة و الاِنجيل والزبور
نزلت جملة واحدة، فرغب الكفار في أن ينزل القرآن مثلها دفعة واحدة.
وليست الدواعي للنزول التدريجي منحصرة فيما سبق، بل أنّ هناك أسباباً
ودواعي أُخر دعت إلى نزوله نجوماً، و هي مسايرة الكتاب للحوادث التي
تستدعي لنفسها حكماً شرعياً، فإنّ المسلمين كانوا يواجهون الاَحداث المستجدَّة
في حياتهم الفردية و الاِجتماعية و لم يكن لهم محيص من طرحها على النبي صلّى اللّه عليه وآله
وسلّم بغية الظفر بأجوبتها، وقد تكرر في الذكر الحكيم قوله سبحانه:
(يَسْأَلُونَكَ)
قرابة خمس عشرة مرّة و تصدى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للاِجابة عنها، و تختلف تلك
المواضيع بين الاستفسار عن حكم شرعي، كحكم القتال في الشهر الحرام،
والخمر، والميسر، والتصرف في أموال اليتامى، والاَهلّة، والمحيض، والاَنفال،
وغير ذلك؛ أو الاستفسار عن أُمور كونية كالروح والجبال والساعة.
وهناك شيء آخر ربما يوَكد لزوم كون التشريع أمراً تدريجياً، وهو أنّ
موقف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تجاه أُمته كموقف الطبيب من مريضه، فكما أنّ الطبيب يعالج
المريض شيئاً فشيئاً حسب استعداده، فكذلك الطبيب الروحي يمارس نشاطه
التربوي طبقاً لقابليات الاَُمة الكامنة بغية الاستجابة، لئلاّ تُثبط عزائمُهم و يُطفأ
نشاطهم ويُثقل كاهلهم.
ومع ذلك فإن كانت الظروف مهيّئة لنزول تشريع أكثر تفصيلاً وأوسع
تعقيداً وافاهم الوحي به، كما في قوله سبحانه:
(قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ
نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي