رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٩٧
(يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْجاءَتْكُمْ مَوعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُور ). [١]
وإذا قورن هذا النوع من التشريع الذي ينظر إلى الاِنسان بنظرة شمولية
وبرأفة ورحمة، دون فرق بين عنصر وآخر، بالتقنين الوضعي السائد في أعصارنا
في الشرق والغرب، الناظر إلى الاِنسان من منظار القومية أو الطائفية وغيرهما من
النزعات المقيتة، لبان انّ التشريع الاَوّل تشريع سماوي لا صلة له بتلك النزعات،
والآخر تشريع بشري متأثر بنظرات ضيّقة تجود لاِنسان وتبخل لآخر، وكفى في
ذلك فرقاً بين التشريعين.
ب . سعة آفاق دلالة القرآن والحديث
إنّ من تمعّن في القرآن الكريم و تدبّر في معانيه ومفاهيمه، وقف على سعة
آفاق دلالته على مقاصده، غير انّ ثلّة من الفقهاء مرّوا على القرآن مروراً عابراً مع
أنّه سبحانه يعرّف القرآن بقوله:
(وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى
وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمينَ) . [٢]
وعلى ضوء ذلك لا غنى للفقيه عن دراسة آيات الاَحكام دراسة معمّقة
ثاقبة، ليجد فيها الجواب على أكثر المسائل المطروحة، ولا ينظر إليها بنظرة عابرة.
وقد استدل أئمة أهل البيتعليهم السّلام بالقرآن على كثير من الاَحكام التي
غفل عنها فقهاء عصرهم، ونذكر هنا نموذجاً على ذلك:
قُدّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد،
فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الاِيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة
حدود. فكتب المتوكل إلى الاِمام الهاديعليه السّلام يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: «يضرب
حتى يموت».فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب: بسم اللّه
[١] يونس: ٥٧.
[٢] النحل: ٨٩.