رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٩٣
تقدّم العلوم والحضارة أتاح للبشر أن يستخدم الدم في منافع محلّلة لم يكن لها
نظير من قبل، فعادت المعاملة بالدم في هذه الاَعصار معاملة صحيحة لا بأس بها،
وليس هذا من قبيل نسخ الحكم، بل من باب تبدّل الحكم بتبدّل موضوعه
كانقلاب الخمر خلاً.
فالاِسلام حرّم أكل المال بالباطل، فمادام بيع الدم مصداقاً لتلك الآية كان
محكوماً بالحرمة، فلمّا أُتيح للبشر أن يستفيد منه في علاج المرضى خرج عن
كونه مصداقاً للآية، وهذا هو الذي عبّرنا عنه في عنوان البحث بأنّ الاِسلام ينظر
إلى المعاني لا إلى القشور.
٥. المرونة في التشريع
إنّ من ملامح التشريع القرآني مرونته وقابليته للانطباق على جميع
الحضارات الاِنسانية، وما ذلك إلاّ لاَنّه جاء بتشريعات خاصة لها دور التحديد
والرقابة على سائر تشريعاته، وهذاالتشريع أعطى للدين مرونة و منعطفاً جديداً
قال سبحانه:
(وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) . [١]وقال:
(ما يُريدُ اللّهُ
لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعلَّكُمْ
تَشْكُرُون) . [٢]
وقال رسول اللّه صلّى الله عليه و آله و سلّم: «لا ضرر ولا ضرار». [٣]
فحدّد كلَّ تشريع بعدم استلزامه الضرر والضرار، فأوجب التيمم مكان
الوضوء إذا كان استعمال الماء مضرّاً، كما أوجب الاِفطار على المريض والمسافر
[١] الحج: ٧٨.
[٢] المائدة: ٦.
[٣] الوسائل: ١٢|٣٦٤ ح ٣ و ٤ ، الباب ١٧ من أبواب الخيار .