رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩
للفاعل وإنّما هو غرض لنفس الفعل، وكم فرق بين كون الغرض عائداً إلى الفاعل،
وبين كون الفعل غير خال عن الغرض، ومقتضى الحكمة هو الثاني، أي عدم خلو
فعله عن الغرض، ومقتضى غناه وكماله المطلق عدم عود الغرض إلى الفاعل.
وأظنّ أنّ النزاع بين الشيعة وأهل السنّة لفظيّ، فإنّ أهل السنّة ينفون أن
يكون له سبحانه غرض في فعله يستكمل به ذاته والشيعة أيضاً يوافقونهم على
ذلك ويقولون بأنّه سبحانه هو فوق الكمال ومن هو بهذه المكانة أسمى من أن
يطلب غرضاً يستكمل به.
ولكنّ الشيعة تعتقد أنّ الغرض لا ينحصر بالغرض العائد إلى الفاعل بل
هناك قسم آخر يخرج به الفعل عن العبثية ويضفي عليه وصف الحكمة ويكون
غرضه سبحانه عائداً إلى المكلّفين، وهذا ما يتراءى من الذكر الحكيم في موارد
مختلفة ويقول: (سَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّمواتِ وما في الاَرض) [١]
فإنّ خلق السماوات والاَرض لم يكن عبثاً، قال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقناكُمْ عَبَثاً وأنَّكُمْ إلَينا لا تُرجَعُونَ) [٢]
وقال سبحانه: (وما خَلَقْنا السَّمواتِ والاَرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) [٣]
٤ـ القضاء والقدر لا يسلبان الاختيار :
إنّ القضاء والقدر من المفاهيم الاِسلامية الواردة في الكتاب والسنّة، قال
سبحانه: (ما أصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ في الاَرضِ ولا في أنْفُسِكُمْ إلاّ في كِتابٍ مِنْ قَبلِ أن
[١] لقمان: ٢٠.
[٢] الموَمنون: ١١٥.
[٣] الدخان: ٣٨.