رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٤
موجب لخروج الشيء من العدم إلى الوجود،والجزء الثاني منها يشير إلى بطلان
كونهم خالقين أنفسهم، الذي يستقلّ العقل ببطلانه قبل أن يستقلّببطلان الدور
اللازم عليه.
ومن سبر هذه الآيات وتدبّر فيها يقف على مدى صحّة قوله سبحانه:
(سَنُرِيهِمْ آياتُنا فِي الآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ
أَنّهُ عَلى كُلّ شَيْءٍ شَهيد) . [١]
فيتخلّص لنا من عرض هذه الآيات، أنّ القرآن، يحثّ على المعرفة من
طريق الحسّ و العقل، ويدعو إلى استغلالهما في مجاليهما، فالاقتصار على
الحسّ، بُخس وخسران، كما أنّ الاكتفاء بالعقل وإلغاء الحسّ، مغالاة في حقّ
العقل. فاليمين والشمال مضلّة، والطريق الوسطى هي الجادة [٢] فيُستهدى إلى ما
في القرآن من العلوم والمعارف القرآنية الباحثة عن ذاته سبحانه وأسمائه وصفاته
وأفعاله، بالحسّ والعقل، فهما جناحا الاِنسان في سماء العلم والمعرفة ومجال
التدبّر والتفكّر قال سبحانه:
(كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدّبّروا آياتِهِ وَلِيَتَذَكّرَ أُولُوا
الاََلْباب) . [٣]
المعارف القرآنية بين التعطيل والتشبيه
إنّ هناك من حبسوا أنفسهم في اطار المادة والماديات وجدران الزمان
والمكان فتجدهم لا يأنسون بالمعارف العقلية إلاّ عن طريق التشبيه والمحاكات،
فصعب عليهم فهم المعارف القرآنية، وعسر عليهم تصوّر أنّ في صحيفة الوجود
[١] فصّلت:٥٣.
[٢] لاحظ نهج البلاغة: الخطبة ١٦.
[٣] ص:٢٩.