رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١
وأشار بقوله: (أو يُرسل رسولاً) إلى الاِلقاء الذي يتوسّط فيه ملك الوحي،
قال سبحانه: (نَزَلَ بهِ الرُّوحُ الاَمينُ * على قَلْبِكَ) [١] ففي الحقيقة الموحي في
الاَقسام الثلاثة هو اللّه سبحانه، تارة بلا واسطة، بالاِلقاء في الروع، وأُخرى بالتكلّم
من وراء حجاب بحيث يُسمَع الصوت ولا يُرى المتكلم وذلك بخلق الاَصوات
والحروف، وثالثة بواسطة الرسول (أمين الوحي جبرائيل)، فهذه الاَقسام الثلاثة
الواردة في الآية المباركة.
إنّ موقف أئمّة أهل البيت في مسألة خلق القرآن وقدمه هو الموقف
الاِيجابي وإنّهم كانوا يرون القرآن حادثاً لا قديماً وإلاّ يلزم أن يكون القرآن إلهاً
ثانياً.
وأمّا انّه مخلوق فلو أُريد انّه مختلق فهو أمر باطل شبيه قول الوليد بن
المغيرة الذي حكاه القرآن عنه: (إنْ هذا إلاّ قَولُ البَشَـرِ) [٢]
وإن أُريد انّه مخلوق للّه، وهو منزِّله وهو نفس المطلوب، وقد سئل الاِمام
الصادق عليه السّلام عن واقع القرآن فقال: هو كلام اللّه، وقول اللّه، وكتاب اللّه، ووحي اللّه
وتنزيله، وهذا الكتاب العزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من
حكيم حميد [٣].
ومن هنا يعلم أنّ مسألة خلق القرآن كانت فتنة ابتلي بها المسلمون في عصر
المأمون واستغلتها النصارى لصالحهم، وأوجدت فجوة عميقة بين المسلمين
وكان النزاع نزاعاً بلا ثمر.
[١] الشعراء: ١٩٣ ـ ١٩٤.
[٢] المدّثّر: ٢٥.
[٣] الصدوق: التوحيد: ٢٢٤، الحديث ٢.