الطرائف في معرفة مذهب الطوائف - السيد بن طاووس - الصفحة ٣٨٨ - في أن النبي ص لم يترك أمته بغير وصية
ثم انظر قوله تعالى وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فهو يكشف لك أنه وقع منهم بالتأخر من المناجاة و البخل بالصدقات ما يقتضي الخيانات و يحتاج إلى أن يتوبوا حتى يتوب الله عليهم و هذا واضح من إيثارهم الدنيا على الله و الرسول المحسن إليهم ثم ذكر الله تعالى أنه تاب عليهم شفقة بهم لا لأنهم تابوا لأن التوبة له طرفان طرف من الله تعالى أن يفتح باب قبول التوبة و طرف من العبد بأن يتوب أ لا ترى قوله تعالى إنه قال في موضع آخر ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا و في آية أخرى قوله تعالى وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ[١]. فانظر في قوله تعالى لنبيه إنهم أقسياء القلوب أن لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا أ لا تعلم أن مضمونه يقتضي عقلا أن الباعث لجمعهم و اجتماعهم لم يكن إلا لين جناح النبي ص و لطفه معهم لا لإطاعة حكم النبوة و إطاعة حكم رسالته و قوله تعالى لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ يوضح لك هذا المعنى أنه لو كان فظا و غليظ القلب لم يصبروا على نبوته ص و لم يقيموا على حكم رسالته و قوله تعالى فَاعْفُ عَنْهُمْ يكشف لك أنهم كانوا على صفات مهلكة و جنايات مفضحة التي تحتاج إلى العفو عنهم و قوله تعالى وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ يؤكد ذلك إلى نهاية الغاية.
و قوله تعالى وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ يدل على ضعف دينهم و أنهم كانوا مؤلفة يحتاجون إلى تأليف قلوبهم و قوله تعالى فَإِذا عَزَمْتَ حيث جعل المدار على عزمه و لم يقل و إذا قالوا لك أو إذا عزموا كلها يدل بوضوح أن حالهم كان حال المؤلفة و كل واحد منها يشهد بضعف إيمانهم و سخافة رأيهم فكيف
[١] آل عمران: ١٥٩.