منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٨٤ - المعنى
يعرض لبعضهم من الوسوسة بأنّهم ليسوا على الحقّ لقلّتهم و كثرة مخالفيهم، و أيضا قلّة العدد في الطّرق الحسيّة مظنّة الهلاك و السّلامة مع الكثرة فنبّههم ٧ على أنهم فى طريق الهدى و السلامة و إن كانوا قليلين و أنّ طرق الاخرة لا تقاس بطرق الدّنيا.
ثمّ نبّه على قلّة أهل الهدى بأنّ أغلب الناس مفتونون بحبّها الصارف لهم عن طريق الهدى إلى طريق الرّدى فقال:
استعاره بالكنايه- استعاره (فانّ الناس اجتمعوا على مائدة) استعارها للدّنيا و الجامع كونهما مجتمع اللّذات و تفرعها بأنّ (شبعها قصير وجوعها طويل) و كنّى بقصر شبعها عن قصر مدّتها و بطول جوعها عن استعقاب الانهماك فيها للعذاب الطويل في الاخرة.
قال الشارح البحرانى: لفظ الجوع مستعار للحاجة الطويلة بعد الموت إلى المطاعم الحقيقية الباقية من الكمالات النفسانية الفانية بسبب الغفلة فى الدّنيا، فلذلك نسب الجوع إليها.
و كيف كان ففيه تنفير للمخاطبين من الاجتماع على تلك المائدة مع المجتمعين عليها من أهل الدّنيا و حثّ لهم على الاجتماع على مائدة شبعها طويل وجوعها قصير مع المجتمعين عليها من أهل الاخرة.
و انما يحصل ذلك بسلوك صراطهم المستقيم المؤدّى إلى جنّة النعيم عرضها السماوات و الأرض اعدّت للمتقين، اولئك لهم رزق معلوم، فواكه و هم مكرمون، على سرر متقابلين، يطاف عليهم بكأس من معين، بيضاء لذّة للشاربين، و فاكهة مما يتخيّرون، و لحم طير مما يشتهون، يسقون من رحيق مختوم، ختامه مسك و فى ذلك فليتنافس المتنافسون، هذا.
و أما قلّة أهل الهدى فقد اشير إليها فى كثير من آيات الكتاب العزيز و فى أخبار أهل البيت :، و قد مدح اللّه القليل و ذمّ الكثير فى كثير من آى التنزيل قال تعالى وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ و قال وَ قَلِيلٌ ما هُمْ و قال وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ و قال بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ و قال و اكثرهم لا يشعرون.