الماء الجاري في غسل البخاري - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٨
ودام هذا الامتحان بضع عشرة سنة ، لأن المأمون بدأ بتنفيذه سنة ٢١٨ ، لما كان بطرطوس ، ثم تبناه المعتصم والواثق ، إلى أن ألغاه المتوكل سنة ٢٣٢ .
وهو امتحان خبيث بأمر مبهم ، يمكن معه الحكم على من يجيب بالنفي أو بالإثبات ! فقد أجاب بعضهم في زمن المأمون بأن القرآن قديم فقيل له أنت كافر تجعل مع الله شريكاً ! وأجاب بعضهم في زمن المتوكل بأن القرآن مخلوق فقيل له تقول إن كلام الله مختلق ، أو تقول إن الله مخلوق ، لأن كلامه منه !
فكانت مادة امتحان المأمون ، نفسها مادة امتحان المتوكل المعاكس !
قال اليعقوبي ( ٢ / ٤٦٧ ) : ( وصار المأمون إلى دمشق سنة ٢١٨ ، وامتحن الناس في العدل والتوحيد ، وكتب في إشخاص الفقهاء من العراق وغيرها ، فامتحنهم في خلق القرآن ، وأكفر من امتنع أن يقول القرآن غير مخلوق ، وكتب أن لا تقبل شهادته ، فقال كل بذلك ، إلا نفراً يسيراً ) .
وقد روى الطبري ( ٧ / ١٩٧ ) قصة امتحان المأمون للفقهاء والمحدثين ، وفيها رسائله من سوريا إلى صاحب شرطته في بغداد ، ونورد منها فقرات ، قال :
( كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في إشخاص سبعة نفر منهم محمد بن سعد كاتب الواقدي ، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون ، ويحيى بن معين ، وزهير بن حرب أبو خيثمة ، وإسماعيل بن داود ، وإسماعيل بن أبي مسعود ، وأحمد بن الدورقي ، فأشخصوا إليه ، فامتحنهم وسألهم عن خلق القرآن فأجابوا جميعاً إن القرآن مخلوق فأشخصهم إلى مدينة السلام ، وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم داره ، فشهر أمرهم وقولهم بحضرة الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث ، فأقروا بمثل ما أجابوا به المأمون ، فخلى سبيلهم .
وكتب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم : أما بعد فإن من حق الله على خلفائه في أرضه أن يجهدوا لله أنفسهم ، وينصحوا له فيما استحفظهم ، ويهدوا إليه من زاغ عنه ، ويردوا من حاد عن أمره . ومما بينه أمير المؤمنين برويته وطالعه بفكره ، فتبين عظيم خطره من القول في القرآن ألا يكون مخلوقاً ، فتعرضوا بذلك لدفع خلق الله الذي بان به عن خلقه ،