الماء الجاري في غسل البخاري - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٣٥
الامتحان المدبر في نيسابور
دخل البخاري بغداد سنة مئتين سبع وأربعين ، وبقي فيها ثلاث سنوات ، ووجد قبولاًً في أول أمره ، ، لكنه اضطر أن يفرَّ منها إلى نيسابورسنة ٢٥٠ ، ولم يعرف أهل نيسابور أنه مغضوب عليه في بغداد ، فاستقبلوه بحفاوة .
قال ابن حجر في مقدمة فتح الباري / ٤٩١ : ( قال حاتم بن أحمد بن محمود : سمعت مسلم بن الحجاج يقول : لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور استقبلوه من مرحلتين من البلد أو ثلاث ، وقال محمد بن يحيى الذهلي في مجلسه : من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غداً فليستقبله ، فإني أستقبله فاستقبله محمد بن يحيى وعامة علماء نيسابور ، فدخل البلد فنزل دار البخاريين ، فقال لنا محمد بن يحيى : لاتسألوه عن شئ من الكلام فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه ، وشمت بنا كل ناصبي ورافضي وجهمي ومرجئ !
قال : فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل حتى امتلأت الدار والسطوح ، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث من يوم قدومه ، قام إليه رجل فسأله عن اللفظ بالقرآن ، فأعرض عنه البخاري ولم يجبه ثلاثاً ، فألح عليه فقال البخاري : القرآن كلام الله غيرمخلوق ، وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة ! فشغب الرجل وقال : قد قال لفظي بالقرآن مخلوق ! قال : فوقع بين الناس اختلاف ، فقال بعضهم قال لفظي بالقرآن مخلوق ، وقال بعضهم : لم يقل ! فوقع بينهم في ذلك اختلاف حتى قام بعضهم إلى بعض ! فاجتمع أهل الدار فأخرجوهم !
وقال أبو أحمد بن عدي : حسده بعض شيوخ الوقت ، فقال لأصحاب الحديث : إن محمد بن إسماعيل يقول : لفظي بالقرآن مخلوق ! قال الذهلي : ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضرمجلسنا ، فأخذ مسلم رداءه فوق عمامته وقام على رؤس الناس ، فبعث إلى الذهلي جميع ما كان كتبه عنه على ظهر حمال . قلت : وقد أنصف مسلم فلم يحدث في كتابه عن هذا ولا عن هذا .
وقال الحاكم : سمعت أحمد بن سلمة النيسابوري يقول : دخلت على البخاري فقلت : يا أبا عبد الله إن هذا رجل مقبول بخراسان ، وقد لج في هذا الأمر حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه فما ترى ؟ قال : فقبض على لحيته ثم قال : وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشراً ولا بطراً ولا طلباً للرياسة ، وإنما أبت عليَّ نفسي الرجوع إلى الوطن لغلبة المخالفين ، وقد قصدني هذا الرجل حسداً لما آتاني الله ! ثم قال : يا أحمد إني خارج غداً لتخلصوا من حديثه لأجلى ! فخشيَ البخاري ( القتل ) وسافر !