الماء الجاري في غسل البخاري - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٦٢
والأبصار ، وإنما بلغت هذه الرتبة وفازت بهذه الخطوة لسبب عظيم أوجب عظمها ، وهو ما رواه أبو أحمد بن عدي عن عبد القدوس بن همام قال : شهدت عدة مشايخ يقولون حول البخاري تراجم جامعه ، يعني بيضها بين قبر النبي ٦ ومنبره وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين ) .
أقول : العجب من عالم كابن حجر تحول في رده على الباجي إلى عامي قصاص ، فالباجي الذي قال عنه إنه من أقران الدارقطني ، هو شارح موطأ مالك ، ومؤلف الموسوعات في الفقه وفي الرجال ، ومنها تقييم للرواة الذين روى عنهم البخاري ، يقول : إن المغاربة يعتمدون على متون مسلم لأنه لم يقطع النصوص ولايعتمدون على متون البخاري لأنه قطعها . فيجيبه ابن حجر : كلا إن البخاري أفضل لأن صوفياً قال لي إن صحيح البخاري ما قرئ في شدة إلا فرجت ، ولا وضع في سفينة فغرقت !
ثم يقول ابن حجر للباجي : إن عناوين البخاري : ( حيرت الأفكار ، وأدهشت العقول والأبصار ! وإنما بلغت هذه الرتبة وفازت بهذه الحظوة لسبب عظيم أنه بيضها بين قبر النبي ٦ ومنبره ، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين ) !
وهذا هبوط عن الكلام العلمي إلى كلام العوام المغفلين ، بل كذبٌ من أجل البخاري الذي ألف كتابه ببخارى ، ولم يبيضه وتركه مسودة ، بشهادة ابن حجر نفسه !
د - . قال ابن حجر في مقدمته في فلسفة عناوين البخاري / ١١ : ( أول شئ وقع الكلام معه فيه من هذه المادة أول حديث بدأ به كتابه واستفتح به خطابه فرد كثيرٌمن هؤلاء نحوه سهام اللوم ، وانتصر بعض ، وبعض لزم من التسليم طريق القوم . ولنذكر ضابطاً يشتمل على بيان أنواع التراجم فيه ، وهي ظاهرة وخفية ، أما الظاهرة فليس ذكرها من غرضنا هنا وهي أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما يورد في مضمنها ، وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة ، كأنه يقول هذا الباب الذي فيه كيت وكيت أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني مثلاً . وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو بعضه أو بمعناه ، وهذا في الغالب قد يأتي من ذلك ما يكون في لفظ الترجمة احتمال لأكثر من معنى واحد فيعين أحد الاحتمالين بما يذكر تحتها من الحديث ، وقد يوجد فيه ما هو بالعكس من ذلك ، بأن يكون الاحتمال في الحديث والتعيين في الترجمة ، والترجمة هنا بيان لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه مثلاً : المراد بهذا الحديث العام الخصوص ، أو بهذا الحديث الخاص العموم ، إشعاراً بالقياس لوجود العلة الجامعة ، أو أن ذلك الخاص المراد به ما هو أعم مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى ، ويأتي في المطلق والمقيد نظير ما ذكرنا في الخاص والعام ، وكذا في شرح المشكل وتفسير الغامض ، وتأويل الظاهر وتفصيل المجمل ، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الكتاب ، ولهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء : فقه البخاري في تراجمه .
وأكثر ما يفعل البخاري ذلك إذا لم يجد حديثاً على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي ترجم به ، ويستنبط الفقه منه ، وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مضمره ، واستخراج خبيئه . وكثيراً ما يفعل ذلك أي هذا الأخير ، حيث يذكر