الماء الجاري في غسل البخاري - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ١٨٧
جميع من حضره منهم البيعة والسمع والطاعة لأمري ، وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب ذلك ، فكنت المؤدي إليهم عن رسول الله ٦ أمره إذا حضرته والأميرعلى من حضرني منهم إذا فارقته ، لاتختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شئ من الأمر في حياة النبي ٦ ولا بعد وفاته .
ثم أمر رسول الله ٦ بتوجيه الجيش الذي وجهه مع أسامة بن زيد عند الذي أحدث الله به من المرض الذي توفاه فيه ، فلم يدع أحداً من أفناء العرب ولا من الأوس والخزرج وغيرهم من سائر الناس ممن يخاف عليَّ نقضه ومنازعته ، ولا أحداً ممن يراني بعين البغضاء ممن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه ، إلا وجهه في ذلك الجيش ، ولا من المهاجرين والأنصار والمسلمين والمؤلفة قلوبهم والمنافقين ، لتصفوَ قلوب من يبقى معي بحضرته ، ولئلا يقول قائل شيئاً مما أكرهه ، ولا يدفعني دافع من الولاية والقيام بأمر رعيته من بعده .
ثم كان آخر ما تكلم به في شئ من أمرأمته أن تمضي جيش أسامة ولا يتخلف عنه أحد ممن أنهض معه ، وتقدم في ذلك أشد التقدم ، وأوعز فيه أبلغ الإيعاز وأكد فيه أكثرالتأكيد !
فلم أشعر بعد أن قبض النبي ٦ إلا برجال من بعث أسامة بن زيد وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم وأخلوا مواضعهم ، وخالفوا أمر رسول الله ٦ فيما أنهضهم له وأمرهم به وتقدم إليهم من ملازمة أميرهم ، والسير معه تحت لوائه ، حتى ينفذ لوجهه الذي أنفذه إليه ! فخلفوا أميرهم مقيماً في عسكره وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضاً إلى حل عقدة عقدها الله عز وجل لي ولرسوله ٦ في أعناقهم فحلوها ، وعهد عاهدوا الله ورسوله فنكثوه ، وعقدوا لأنفسهم عقداً ضجت به أصواتهم واختصت به آراؤهم من غير مناظرة لأحد منا بني عبد المطلب ، أو مشاركة في رأي ، أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي !
فعلوا ذلك وأنا برسول الله ٦ مشغول وبتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود ، فإنه كان أهمها وأحق ما بدئ به منها ، فكان هذا يا أخا اليهود أقرح ما ورد على قلبي ، مع الذي أنا فيه من عظيم الرزية وفاجع المصيبة ، وفقد من لاخلف منه إلا الله تبارك وتعالى ، فصبرت عليها إذ أتت بعد أختها على تقاربها وسرعة اتصالها ) !