الماء الجاري في غسل البخاري - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٣٤
والري وهمذان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله ، إلا أني قلت أفعال العباد مخلوقة ! قلت : تأمل كلامه ما أذكاه ! ومعناه إني لم أقل لفظي بالقرآن مخلوق ، لأن الكلام في هذا خوض في مسائل الكلام وصفات الله التي لا ينبغي الخوض فيها إلا للضرورة ، ولكني قلت : أفعال العباد مخلوقة فإن كل عاقل يعلم أن لفظنا من جملة أفعالنا وأفعالنا مخلوقة ، فألفاظنا مخلوقة !
لقد أفصح بهذا المعنى في رواية أخرى صحيحة عنه ، رواها حاتم بن أحمد بن الكندي قال : سمعت مسلم بن الحجاج فذكر الحكاية ، وفيها أن رجلاً قام إلى البخاري فسأله عن اللفظ بالقرآن فقال : أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا ! وفى الحكاية أنه وقع بين القوم إذ ذاك اختلاف على البخاري فقال بعضهم قال : لفظي بالقرآن مخلوق ، وقال آخرون : لم يقل ) !
أقول : تأمل في كلامهم ما أغباهم ! فقد وقعوا في فخ المأمون في الكلام في خلق القرآن فقالوا فيه بجهل ! ثم جعلوا مقولاتهم ديناً يدينون به ، ويتولون الناس ويتبرؤون منهم ويكفرونهم عليه ، ويقتلونهم !
وقد تأثر البخاري بالكرابيسي ، فقال لفظي بالقرآن مخلوق ، أي تلاوتي له ، لأن أفعالنا مخلوقة وتلاوتنا من أفعالنا ، فاعتبرأحمد البخاري كالكرابيسي من اللفظية ، وقال إنهم شر من الجهمية ، وضيق عليه في بغداد بعد أن كان يدعوه إلى المجيئ إلى بغداد ، ويغدق عليه من مال المتوكل ! ثم ضيق عليه خليفته أبو بكر المروذي فذهب إلى نيسابور ، ثم إلى الري ، ثم إلى بخارى ، وكانت شرطتهم تلاحقه ، وكانت حجة الذهلي : كتبوا الينا من بغداد أنهم نهوه فلم ينته !
وتقدم أن البخاري زار أحمد في بغداد ثمان مرات وعرض عليه صحيحه فمدحه ، لكن أحمد غضب عليه وكفره مع الكرابيسي ، ولما اشتدت الحملة علىه بعد أحمد ، حاول إرضاءهم بأنه يكفر الجهمية ، لكنهم لم يقبلوا منه وعدوه من مذهب الكرابيسي اللفظية ، وهم عند أحمد جهمية وشرٌّ من الجهمية !