الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ٨٤ - ابتداء التقيّة و مبرّراتها
ابتداء التقيّة و مبرّراتها:
ما كانت تقيّة الشيعة مبتدأة من عصر الصادق ٧ بل كانت من عهد أمير المؤمنين ٧ حتّى أنه كان قد استعمل التقيّة بنفسه في اكثر أيامه، إنك لتعلم أنه من بدء الخلافة كان يرى أن الخلافة له، و يراها ثلّة من الناس فيه، و لكنّه لمّا لم يجد أنصارا و ادع و صمت هو و أصحابه، و لو وجد أربعين ذوي عزم منهم لناهض القوم- على حدّ تعبيره نفسه- و ان النّاس حتّى من يخالفه لتعلم أن له رأيه في القوم و من ثمّ أرادوه للبيعة في الشورى على اتباع سيرة السلف فأبى إلّا على كتاب اللّه و سنّة رسوله.
و كان يتكتّم كثيرا بما يرى التقيّة في إبدائه حتّى بعد ما صار الأمر إليه لعلمه بأن في الناس من يخالفه و يناوئه، فلو باح بكلّ ما عنده لم يأمن خلاف الناس عليه، كيف و قد نكثت طائفة، و قسطت اخرى، و مرق آخرون، فلو صارح بكلّ ما يعلم و يرى لانتقضت عليه أطراف البلاد.
و مع أن الكوفة يغلب عليها الولاء و التشيّع و هي عاصمة ملكه ما استطاع أن يغيّر فيها كلّ ما ورثوه من العهد السابق، كما لم يطق أن يبوح فيها بكلّ ما يعلم إلّا القليل، هذا و هو صاحب السلطتين: الروحيّة و الزمنيّة، فكيف إذن به يوم كان أعزل، و كيف بأولاده و السطوة و القوّة عليهم.
لم يتّخذوا التقيّة جنّة إلّا لما يعلمون بما يجنيه عليهم و على أوليائهم ذلك الإعلان، و قد أمر بها أمير المؤمنين قبل بنيه، فإنه قال في بعض احتجاجاته كما يرويه الطبرسي [١] في الاحتجاج: و آمرك أن تستعمل التقيّة في دينك- إلى أن
[١] أحمد بن علي أبي طالب من علماء الطائفة و شيوخهم، و كتابه الاحتجاج كثير الفوائد جليل النفع.