مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٩٨ - موعظة العمرىّ للرشيد و بكائه
حَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْأَنْفُسِ لَهَا مُحَاسِبٌ غَيْرُكَ وَ خُذْ مَا يَبْقَى لَكَ مِمَّا لَا تَبْقَى لَهُ وَ تَيَسَّرْ لِسَفَرِكَ وَ شِمْ بَرْقَ النَّجَاحِ[١] وَ ارْحَلْ مَطَايَا بِتَفَكُّرِ التَّشْمِيرِ. اعْلَمْ أَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى أَخْبَارِ النَّاسِ وَ سِيَرِهِمْ مَا خُصُّوا وَ تَحَلَّوْا بِهِ مِنَ الْمَحَاسِنِ وَ الْقَبَائِحِ تُهَذِّبُ آرَاءَ ذَوِي الْبَصَائِرِ وَ الْقَرَائِحِ وَ مَا زَالَ مُتَقَدِّمُو الْأُمَمِ وَ القَبَائِلِ وَ أَهْلُ الْمَجْدِ وَ الْفَضَائِلِ يَرْغَبُونَ فِي سَمَاعِ أَخْبَارِ مَنْ قَبْلَهُمْ وَ يَنْظُرُونَ فِي آثَارِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ فَمَا رَأَوْا مِنْ حُسْنِ سِيرَةٍ وَ جَمِيلِ أُحْدُوثَةٍ تَحَلَّوْا بِهِ فَكَانَ لَهُمْ مُذَكِّراً وَ مَا شَاهَدُوهُ مِنْ تَغَيُّرِ حَالٍ تَجَنَّبُوهُ فَكَانَ لَهُمْ مُنَبِّهاً وَ مُنْذِراً فَقَدْ قِيلَ إِنَّ رَجُلًا قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ مُسَيَّبٍ إِنَّنِي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص فِي مَنَامِي فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً ص بَشِيراً وَ نَذِيراً فَمَنْ كَانَ عَلَى خَيْرٍ بَشَّرَهُ وَ أَمَرَهُ بِالزِّيَادَةِ وَ مَنْ كَانَ عَلَى شَرٍّ حَذَّرَهُ وَ أَمَرَهُ بِالتَّوْبَةِ وَ كَانُوا يَصْطَنِعُونَ الْمَعْرُوفَ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَنِ اصْطَنَعَهُ ذُكِرَ بِهِ إِذَا انْطَوَتِ الْآثَارُ وَ بُشِّرَ بِمَكَانِهِ إِذَا دَرَسَتِ الْأَخْبَارُ.
وَ قِيلَ فِعْلُ الْمَعْرُوفِ يُطِيلُ فِي الْعُمُرِ قَالُوا وَ كَيْفَ قَالَ بِحُسْنِ الذِّكْرِ وَ انْتِشَارِ الصِّيتِ وَ بَقَاءِ الْحَدِيثِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ قُلُوبُ الرَّعِيَّةِ خَزَائِنُ الْمُلُوكِ فَمَا أَوْدَعُوهُ فِيهَا وَجَدُوهُ فِيهَا.
قِيلَ كَانَ الْوَزِيرُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ دَاوُدَ بْنِ الْجَرَّاحِ[٢] مَوْصُوفاً بِالدِّينِ وَ الْعِلْمِ وَ الْفَضْلِ وَ الْعَفَافِ وَ الْعَقْلِ حُكِيَ أَنَّهُ فِي بَعْضِ أَيَّامِ وِزَارَتِهِ أَرَادَ النُّزُولَ فِي صِيَارَةٍ لَهُ[٣] فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ قَوْمٌ يَسْأَلُونَهُ تَوْقِيعاً لَهُمْ فَقَالَ إِلَى أَنْ أَرْجِعَ فَقَالُوا وَ مَنْ لَنَا بِأَنْ تَرْجِعَ فَبَكَى وَ قَالَ نَبَّهْتُمُونِي وَ اسْتَدْعَى دَوَاةً وَ وَقَّعَ لَهُمْ قَائِماً ثُمَّ حَكَى لِأَصْحَابِهِ أَنَّ رَجُلًا مُتَظَلِّماً أَمْسَكَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي طَرِيقِهِ فَقَالَ لَهُ وَيْحَكَ مَا رَثَيْتَ لِي[٤] مِنْ طُولِ وُقُوفِي وَ لَمْ تُمْهِلْنِي إِلَى وَقْتٍ آخَرَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْخَيْرَ سَرِيعُ الذَّهَابِ وَ خَشِيتُ أَنْ تَفُوتَنِي بِنَفْسِكَ فَبَكَى حَتَّى اخْضَلَّتْ[٥] لِحْيَتُهُ بِالدُّمُوعِ وَ قَضَى حَاجَتَهُ.
[١] و في بعض النسخ[ و شمر برق النجاة] شام البرق يشيمه شيما: نظر إليه اين يقصد و اين يمطر.
[٢] بعض النسخ[ داود الجراح].
[٣] الصيارة و الصيرة بكسر الصاد فيهما: حظيرة الغنم و البقر و الجمع صير بسكون الياء و فتحها مع كسر الصاد:
[٤] رثى له: رق له و رحمه.
[٥] اخضلت اي ابتلت.