مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٩٠ - خرج كسرى للصيد و نزل بعجوز كان لها بقرة حافلا فقرّر في نفسه خراجا على البقرة فقلّ لبنها
ضَرْبِهِ وَ شَرَعَ فِي مِثْلِ ظُلْمِهِ فَقَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِمَّنْ حَضَرَ مَجْلِسَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ
|
فِي مِثْلِ ذَا الْيَوْمِ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ عَلَى |
هَذَا السَّرِيرِ تَدَلَّى الشَّرُّ فَاصْطُلِمَا |
|
. ثُمَّ تَلَا وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ فَانْكَسَرَ الظَّالِمُ وَ قَصَرَ عَنْ ظُلْمِهِ.
عَنْ بَعْضِهِمْ فَالْفَاضِلُ الرَّشِيدُ وَ الْفَائِزُ السَّعِيدُ مَنِ اسْتَكْمَلَ خِلَالَ الْخَيْرِ وَ فَارَقَ خِصَالَ الشَّرِّ وَ تَعَلَّقَ بِالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ فَلَنْ يَعْدَمَ الِانْتِفَاعَ بِهِ وَ احْمَادَّ عَاقِبَتُهُ وَ الْبَلِيَّةُ[١] الْكُبْرَى وَ الْمُصِيبَةُ الْعُظْمَى فِيمَنْ عَرِيَ عَنْ شُعَبِ الْخَيْرِ كُلِّهَا وَ لَمْ يَسْتَصْحِبْ شَيْئاً مِنْهَا وَ لْيَحْذَرِ الْمَرْءُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْ حَظِّهِ وَ يَذْهَبَ وَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجِدُّ بِهِ وَ يَلْعَبُ.
بَعْضُهُمْ قَالَ مَا عَرَفَ الْخَيْرَ مَنْ لَمْ يَتَّبِعْهُ وَ مَا عَرَفَ الشَّرَّ مَنْ لَمْ يَجْتَنِبْهُ وَ مَا أَيْقَنَ عَبْدٌ بِالْجَنَّةِ وَ النَّارِ حَقَّ يَقِينِهِمَا إِلَّا رَأَى ذَلِكَ فِي عَمَلِهِ فَانْظُرْ مَا ذَا تُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ غَداً فَقَدِّمْهُ الْيَوْمَ.
الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجَ كِسْرَى فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ إِلَى الصَّيْدِ فَعَنَّ لَهُ صَيْدٌ فَتَبِعَهُ فَانْقَطَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَرُفِعَ لَهُ كُوخٌ فَقَصَدَهُ فَإِذَا عَجُوزٌ بِبَابِ الْكُوخِ جَالِسَةٌ فَقَالَ لَهَا أَنْزِلُ قَالَتِ انْزِلْ قَالَ فَنَزَلَ وَ دَخَلَ الْكُوخَ فَإِذَا ابْنَةُ الْعَجُوزِ قَدْ جَاءَتْ وَ مَعَهَا بَقَرَةٌ فَأَدْخَلَتْهَا الْكُوخَ فَقَامَتِ الْعَجُوزُ إِلَى الْبَقَرَةِ فَحَلَبَتْهَا لَبَناً خَالِصاً وَ كِسْرَى يَنْظُرُ فَقَالَ فِي قَلْبِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ عَلَى كُلِّ بَقَرَةٍ إِتَاوَةٌ[٢] فَهَذَا حِلَابٌ كَثِيرٌ فَلَمَّا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ شَطْرُهُ قَالَتِ الْعَجُوزُ يَا فُلَانَةُ قُومِي إِلَى الْبَقَرَةِ فَاحْلُبِيهَا فَقَامَتْ إِلَى الْبَقَرَةِ فَوَجَدَتْهَا حَائِلًا[٣] فَنَادَتْ أُمَّهَا يَا أُمَّاهْ قَدْ وَ اللَّهِ أَضْمَرَ الْمَلِكُ شَرّاً قَالَتْ وَ مَا ذَاكِ قَالَتْ لِأَنَّ هَذِهِ الْبَقَرَةَ حَائِلٌ وَ مَا تَدِرُّ بِقَطْرَةٍ فَقَالَتْ لَهَا أُمُّهَا امْكُثِي فَإِنَّ عَلَيْكِ لَيْلًا فَقَالَ كِسْرَى فِي نَفْسِهِ مِنْ أَيْنَ لَهَا أَنِّي أَضْمَرْتُ فِي نَفْسِيَ الشَّرَّ أَمَا إِنِّي لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ قَالَ فَمَكَثَ قَلِيلًا ثُمَّ نَادَتْهَا يَا ابْنَةِ قُومِي احْلُبِي الْبَقَرَةَ فَقَامَتْ إِلَيْهَا فَوَجَدَتْهَا حَافِلًا فَنَادَتْ يَا أُمَّاهْ قَدْ وَ اللَّهِ ذَهَبَ مَا كَانَ فِي نَفْسِ الْمَلِكِ مِنَ الشَّرِّ هَذِهِ الْبَقَرَةُ حَافِلًا[٤] فَاحْتَلَبَتْهَا فَأَقْبَلَ الصُّبْحُ وَ تَتَبَّعَ الرِّجَالُ كِسْرَى وَ أَثَرَهُ حَتَّى أَتَوْهُ
[١] بعض النسخ[ النكبة].
[٢] اتاوة بكسر الهمزة: الخراج. الرشوة و الجمع اتاوى.
[٣] الحائل كل انثى لا تحمل يقال: امرأة حائل و نخلة حائل.
[٤] الحافل من الناقة او البقرة: الكثير اللبن.