مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٧٤ - بينما أمير المؤمنين في أصحابه أتاه شيخ فسأله ممّا علّمه اللّه فعلّمه من الحكم و المواعظ
يَا شَيْخُ مَنْ خَافَ الْبَيَاتَ[١] يَقِلُّ نَوْمُهُ مَا أَسْرَعَ اللَّيَالِيَ وَ الْأَيَّامَ فِي عُمُرِ الْعَبْدِ فَاخْزُنْ لِسَانَكَ وَ عُدَّ كَلَامَكَ لَا تَقُلْ إِلَّا بِخَيْرٍ[٢]. يَا شَيْخُ ارْضَ لِلنَّاسِ مَا تَرْضَى لِنَفْسِكَ وَ ائْتِ إِلَى النَّاسِ مَا تُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْكَ فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ الْعَبْدِيُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيُّ سُلْطَانٍ أَغْلَبُ وَ أَقْوَى قَالَ الْهَوَى قَالَ فَأَيُّ ذُلٍّ أَذَلُّ قَالَ الْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا قَالَ فَأَيُّ عَمَلٍ أَفْضَلُ قَالَ التَّقْوَى قَالَ فَأَيُّ عَمَلٍ أَنْجَحُ قَالَ طَلَبُ مَا عِنْدَ اللَّهِ قَالَ فَأَيُّ صَاحِبٍ أَشَرُّ قَالَ الْمُزَيِّنُ لَكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ قَالَ فَأَيُّ الْخَلْقِ أَشْقَى قَالَ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ أَكْيَسُ قَالَ مَنْ أَبْصَرَ رُشْدَهُ قَالَ فَمَنْ أَحْلَمُ النَّاسِ قَالَ الَّذِي لَا يَغْضَبُ قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ أَثْبَتُ رَأْياً قَالَ مَنْ لَمْ تَغُرَّهُ النَّاسُ مِنْ نَفْسِهِ وَ لَمْ تَغُرَّهُ الدُّنْيَا بِتَشَوُّفِهَا[٣] قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ أَحْمَقُ قَالَ الْمُغْتَرُّ بِالدُّنْيَا وَ هُوَ يَرَى مَا فِيهَا مِنْ تَقَلُّبِ أَحْوَالِهَا قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ أَعْمَى قَالَ الَّذِي عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ يَطْلُبُ بِعَمَلِهِ الثَّوَابَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ فَأَيُّ الْمَصَائِبِ أَشَدُّ قَالَ الْمُصِيبَةُ بِالدِّينِ قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ أَخْوَفُهُمْ لِلَّهِ وَ أَعْمَلُهُمْ بِالتَّقْوَى وَ أَزْهَدُهُمْ فِي الدُّنْيَا قَالَ فَأَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ كَثْرَةُ ذِكْرِهِ وَ التَّضَرُّعُ إِلَيْهِ وَ دُعَاؤُهُ قَالَ فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ التَّسْلِيمُ وَ الْوَرَعُ قَالَ ثُمَّ أَقْبَلَ ع عَلَى الشَّيْخِ فَقَالَ يَا شَيْخُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ خَلْقاً ضَيَّقَ عَلَيْهِمُ الدُّنْيَا نَظَراً لَهُمْ وَ زَهَّدَهُمْ فِيهَا وَ فِي حُطَامِهَا فَرَغِبُوا فِي دَارِ السَّلَامِ الَّذِي دَعَاهُمْ وَ صَبَرُوا عَلَى ضِيقِ الْمَعِيشَةِ وَ صَبَرُوا عَلَى الْمَكْرُوهِ وَ اشْتَاقُوا إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَرَامَةِ وَ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ وَ كَانَتْ خَاتِمَةُ أَعْمَالِهِمُ الشَّهَادَةَ فَلَقُوا اللَّهَ وَ هُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ عَلِمُوا أَنَّ الْمَوْتَ سَبِيلٌ لِمَنْ مَضَى وَ بَقِيَ فَتَزَوَّدُوا لآِخِرَتِهِمْ غَيْرَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ لَبِسُوا الْخَشِنَ وَ صَبَرُوا عَلَى الْقُوتِ وَ قَدَّمُوا الْفَضْلَ وَ أَحَبُّوا فِي اللَّهِ وَ أَبْغَضُوا فِي اللَّهِ أُولَئِكَ الْمَصَابِيحُ وَ أَهْلُ النَّعِيمِ فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ الشَّيْخُ وَ أَيْنَ أَذْهَبُ وَ أَدَعُ الْجَنَّةَ وَ أَنَا أَرَاهَا وَ أَرَى أَهْلَهَا
[١] البيات: الهجوم على الاعداء ليلا.
[٢] بعض النسخ[ لا تقل كلامك الا بخير].
[٣] تشوف تشوفا: تزين. و في المطبوعة[ تشوقها] بالقاف.