القصص القرآنى - الحكيم، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٤ - الجانب الأول - المفاهيم و التصورات
على أنّ هذه الجنة يمكن أن تكون جنة أرضية و ليست جنة (الخلد)؛ إذ لا يوجد دليل على أنّها جنة الخلد، و كان هبوطه و إخراجه منها يعني بداية دور تحمّل المسئولية و التعب و الجهد من أجل الحياة و استمرارها، فهو منذ البداية كان على الأرض، و لكن في مكان منها لا تعب و لا عناء فيه، و قد تهيأت له جميع أسباب العيش و الراحة و الاستقرار، و بعد المعصية بدأت حياة جديدة تختلف عن الحياة السابقة في خصوصياتها و مواصفاتها و إن كانت على الأرض أيضا.
و بذلك يمكن أن نجيب عن سؤال آخر، هو: أنّه كيف تسنى لإبليس أن يغوي آدم في الجنة مع أنّ دخولها محرّم على إبليس؟
إذ يمكن أن تكون هذه الجنة أرضية و لم يمنع من دخولها، و لعلّ ضمير الجمع في قوله تعالى: ... وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ...[١] يشير إلى ذلك.
على أنّ عملية الإغواء يمكن أن تكون من خلال وجوده في خارج الجنة؛ لأنّ الخطاب بين أهل الجنة و غيرهم ممّن هو في خارج الجنة ميسور، كما دل على ذلك القرآن الكريم في خطاب أهل الجنة و أهل النار: وَ نادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ[٢].
و في خطاب أصحاب الجنة لأصحاب النار:
وَ نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ
[١] - البقرة: ٣٦.
[٢] - الأعراف: ٥٠.