القصص القرآنى - الحكيم، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٨ - الجانب الثاني التصور العام لمسيرة الخلافة
فلو لم ينزل الإنسان إلى الأرض لا يشعر بالحاجة؛ إذ كان يعيش في الجنة يأكل و يشرب بدون تعب أو عناء، فطبيعة هذه الجنة: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى* وَ أَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَ لا تَضْحى[١].
و لو لم تصدر من آدم المعصية فلا يمكن أن يحصل على تلك الدرجات العالية من الرحمة و المغفرة التي حصل عليها الإنسان في حالات الرجوع و التوبة؛ إذ يفترض العلّامة الطباطبائي وجود درجات من الرحمة و المغفرة مرهونة بالتوبة و الانابة، قال:
«فللّه- تعالى- صفات من عفو و مغفرة و توبة و ستر و فضل و رأفة و رحمة لا ينالها إلا المذنبون ... فهذه التوبة هي التي استدعت تشريع الطريق الذي يتوقع سلوكه، و تنظيف المنزل الذي يرجى سكونه، فوراءها تشريع الدين و تقويم الملة»[٢].
فالقصّة وراءها قضاءان قضاهما اللّه تعالى في آدم:
القضاء الأوّل: الهبوط و الخروج من الجنة و الاستقرار على الأرض و حياة الشقاء فيها، و هذا القضاء لازم حتمي لأكل الشجرة حيث بدت سوآتهما، و ظهور السوءة لا يناسب حياة الجنة، بل الحياة الأرضية، و من هنا كان إخراجهما من الجنة بعد العفو عنهما، و لو لا ذلك لكان مقتضى العفو هو بقاؤهما في الجنة.
القضاء الثاني: إكرام آدم بالتوبة؛ إذ طيّب اللّه- تعالى- بها الحياة الأرضية التي هي شقاء و عناء، و بها ترتبت الهداية إلى العبودية الحقيقية، فتآلفت الحياة من
[١] - طه: ١١٨- ١١٩.
[٢] - تفسير الميزان ١: ١٣٤، طبعة جماعة المدرسين- قم.