القصص القرآنى - الحكيم، السيد محمد باقر - الصفحة ٩٧ - الموضع التاسع الآيات التي جاءت في سورة الكهف
و يبدو هذا المقطع منفصلا عن قصّة موسى المذكورة في مواضع مختلفة من القرآن الكريم؛ لأنّه يتحدّث عن جانب معين من شخصية هذا الإنسان يختلف عن الجوانب الاخرى التي تصوّرها القصّة، و التي تظهر فيها شخصية موسى النبي صاحب الرسالة و الدعوة الذي يجاهد من أجل التوحيد و إقامة العدل الإلهي و الدفاع عن المستضعفين، أو تتحدّد فيها معالم هذه الشخصية من خلال سيرته و نشأته الذاتية، أمّا هنا فيبدو موسى الإنسان الذي يسير في طريق التعلم و الحريص على تفسير الظواهر غير العادية.
و حين نلاحظ أنّ القرآن الكريم يأتي بهذا المقطع في سياق قوله تعالى:
وَ رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا* وَ تِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَ جَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً[١] قد نستنتج: أنّ الإتيان به كان من أجل التدليل على مدى مطابقة الحكمة الإلهية للمصلحة، و انسجامها مع واقع الأشياء مهما بدت غير واضحة المقصد و الهدف.
فإنّ هاتين الآيتين اللتين جاء المقطع في سياقهما تشيران إلى وجود حكمة إلهية من وراء تأخير العذاب، و عدم التعجيل به مع استحقاق الظالمين له، مع أنّه قد يبدو في النظرة السطحية الإنسانية أنّ التعجيل بالعذاب أوفق بالمصلحة، حيث يكون رادعا للآخرين عن الظلم، فجاء المقطع تأكيدا لحقيقة الحكمة الإلهية و نظرتها البعيدة، و أنّ هذه الحكمة قد تخفى حتى على الأنبياء أنفسهم؛ إذ نلاحظ في هذا المقطع ثلاثة أعمال و تصرفات يقوم بها العبد الصالح كلّها تبدو في ظاهرها أنّها بعيدة عن
[١] - الكهف: ٥٨- ٥٩.