القصص القرآنى - الحكيم، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٥٥ - الملاحظة الثانية - النتائج و الآثار
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[١].
الثالث: وجود خط الترهب في السلوك، و الزهد في الدنيا و شهواتها، و الانعزال عنها. و هذا الخط السلوكي و إن اتّسم بالمغالاة في التطبيق و الابتعاد عن أهدافه الصحيحة، إلّا أنّ له أصل في الشريعة الجديدة، و يعبّر عن استجابة لنداء عيسى عليه السّلام في التخلي عمّا كان عليه الأحبار و الكهنة من الإسرائيليين: من حب الدنيا، و جمع الأموال، و الحرص على الحياة و المتاع، بل قد يكون الغلوّ في هذه الرهبانية كان نتيجة لرد الفعل السلبي على الخلق الإسرائيلي.
و لعلّ بيان هذه الحقيقة هو الهدف من آية سورة (الحديد) التي تناولت قصّة عيسى عليه السّلام، كما أشرنا إليها في المرحلة الرابعة: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَ قَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَ جَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ[٢].
و بالمقارنة مع هذا المنهج السلوكي يتحدّث القرآن الكريم عن اليهود و بني إسرائيل بقوله تعالى: وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَ ما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ[٣].
[١] - البقرة: ٧٤.
[٢] - الحديد: ٢٧.
[٣] - البقرة: ٩٦.